المرأة المصرية و المشاركة السياسية من يوليو 52 إلى 25 يناير: استعراض واقع واستشراف مستقبل
تمهيد:
إن ربيع الثورات العربى الذى ما لبث أن طال الكثير من المظاهر الحياتية المصرية, أضفى بظلاله على مظاهر مشاركة المرأة المصرية فى الحياة السياسية. فمن ميدان التحرير الى صندوق الانتخابات اتسمت مشاركة المرأة المصرية فى الزخم السياسى بالتنوّع على نحو غير متوقع.
ففى الوقت التى شاركت فيه المرأة بكل قوة فى معترك ميدان التحرير بحثاً عن العدالة الاجتماعية والحرية من قيود نظام فاسد, اتخّذ هذا الحماس منحىً آخر عندما تعلّق الأمر بالمشاركة فى الانتخابات. وعليه, جاءت ورقة العمل هذه فى اطار المحاولات الأولية للوقوف على أهـم محطات و سمات المشاركة السياسية للمرأة المصرية. كما يتطرق البحث الى طرح رؤية لتحفيز مشاركة المرأة المصرية فى الحياة السياسية على نحو يقى هذا الحماس و الحراك السياسى من الانتكاسات ويضمن له الاستدامة.
لذلك اتخذت ورقة العمل محل النقاش محورين أساسيين لدراسة الموضوع. الأول, استعراض واقع المشاركة السياسية للمرأة المصرية من خلال التعرض للخلفية التاريخية لذلك, بدءاً من ثورة يوليو 52 ومروراً بتطور هذه المشاركة لدى ظهور حركات التغيير السياسية المجتمعية فى مُستهل الألفية الثانية وصولاً الى 25 يناير 2011.
المحور الثانى لورقة العمل يتضمن رؤية استشرافية ترسى معالم استراتيجية لتفعيل وتحفيز مشاركة المرأة فى الحياة السياسية فى المستقبل, تعتمد فى ثوابتها على مُراعاة البعد التنموى فى تخطيط حملات وأنشطة التوعية السياسية وتحفيز مشاركة المرأة فى معترك الحياة السياسية المصرية.
الاطار المفاهيمى:
يُقصد بالمشاركة السياسية للمرأة المصرية " دورها فى الحياة البرلمانية سواء على مستوى العضوية, الترشح والانتخاب",
يُقصد باستراتيجية تفعيل وتحفيز المشاركة السياسية للمرأة المصرية "رؤية للخطوط العريضة لأهـم ركائز التوعية السياسية الفاعلة والمرتبطة بأهـم عناصر التمكين الحياتى للمرأة "
أهداف الورقة:
· عرض مشاركة المرأة المصرية فى الحياة السياسية منذ ثورة يوليو 1952 الى 25 يناير 2011
· التعرف على ملامح استراتيجية تحفيز المشاركة السياسية للمرأة المصرية من منظور تنموى
الإطارين الزمني والمكاني للورقة:
تركز هذه الورقة على عرض واقع المشاركة السياسية للمرأة في مصر خلال الفترة من يوليو 52 الى يناير 2011 مع التركيزعلى ملامح الفترة من 2000 الى 2011 . فمع المنظور التنموى للعرض الذى تنتهجه ورقة العمل محل النقاش تحتم التركيز على الفترة من 2000-2011 .
المنهجية المتبعة:
اعتمدت ورقة العمل على السرد التحليلى, كما أن المقابلات الحرة مع عدد من الناشطات بالمجالين السياسى و المجتمعى والمجموعات البؤرية فى جمع البيانات, كما اعتمدت فى جمع البيانات على الاحصائيات و الادبيات المنشورة عن موضوع الورقة .
***
المحور الأول
المرأة المصرية و المشاركة السياسية: يوليو 52- 25 يناير
أولاً: الفترة من يوليو 1952 – 2000
يُستخدم مصطلح المشاركة للدلالة علي الجهود الشعبية الناجحة التي تستهدف التأثير علي قرارات وأفعال الحكومة أو عند اختيار القيادة الحكومية ، والبعض يري ان المشاركة هي الأفعال التي يقوم بها المواطنون ويكون لهذه الفعال الشرعية القانونية التي ترتبط بعمليات الانتخاب والتصويت والتظاهر والاشتراك في عمليات صنع القرارات السياسية. ومن هذا المنطلق يتعرّض هذا الجزء من البحث لتاريخ مشاركة المرأة فى التأثير على عملية صنع القرار فى مصر فى الفترة من 1952 الى 2000.
ان ثورة يوليو 1952 التى جاءت بأهـم مبادئها الست ألا وهو إقامة العدالة الاجتماعية, كان من أهـم ما قامت به لتحقيق العدالة الاجتماعية بين الجنسين اصدار دستور 1956 والذى منح المرأة حقوق الممارسة السياسية أُيوةً بالرجل. وبذلك تمّكنت المرأة من أن تُدلى بصوتها فى الاستفتاءات على رئاسة الجمهورية وعلى الدستور وفى الانتخابات العامة وكذلك انتخابات الاتحاد الاشتركى آنذاك. كما صار لها الحق فى الترشُح للانتخابات.
إن أهـمية دستور 1965 تتمّثل فى منحه المرأة المصرية لأول مرة حقوقها السياسية الكاملة. فأصبح ذلك أبلغ بُرهان على أن مناخ الرغبة فى التغيير وفى المساواة بين مختلف طوائف الشعب انتصر للمرأة حيْث ارتأى المُشرِع أن حرمانها من حقوقها السياسية يتنافى مع قواعد الديمقراطية التى تجعل الحكم للشعب كله وليس لجزء منه فقط. إلا أن آلية مباشرة الحقوق السياسية اختلفت بالنسبة للرجل عن المرأة ؛ فعلى حين كان القيد فى جداول الانتخاب إجبارياً بالنسبة للرجل ، كان اختيارياً بالنسبة للمرأة ، وإن كانت مباشرة المرأة لحق الانتخاب تصبح واجبة متى تقدمت بطلب القيد ، وقيدت فى جداول الانتخاب.
ومن هنا كانت بداية توّسع المرأة وانطلاقها فى مضمار الحياة السياسية المصرية خلال تلك الحقبة ففى 17 نوفمبر 1962 أوصى القانون الخاص بتشكيل اللجنة التحضيرية للمؤتمر القومى للقوى الشعبية بأن تمثل المرأة بنسبة 5% بين أعضاء المؤتمر البالغ عددهـم 1500 عضواً ، وفى مايو 1971 حصلت 1309 سيدة على عضوية الوحدات الأساسية للاتحاد الاشتراكى (الذى كان يمثل التنظيم السياسى الوحيد فى ذلك الوقت) عن طريق الانتخاب. وفى 7 سبتمبر 1975 صدر قرار تكوين التنظيم النسائى للاتحاد الاشتراكى, وضمت لجانه البالغ عددها 242 لجنة ، عدد 249862 عضوة على مستوى الجمهورية.
إلا أن نسبة تمثيل المرأة فى الحياة البرلمانية تفاوتت صعوداً وهبوطاً ، وإن كانت بشكل عام تُمثل نسبة ضئيلة لا تتناسب سواء مع حجم النساء فى مصر بوصفهن نصف القوة البشرية ، ولا مع الامتداد التاريخى لمشاركة المرأة المصرية فى العمل العام والتى تعود لأوائل القرن الماضى ، ولا مع مقتضيات التنمية الشاملة فى مصر.
على أن تمثيل المرأة على مستوى العضوية فى مجلس الشعب قد شهد طفرة غير طبيعية فى الفترة من 1979 - 1984 ، حيث وصلت نسبة تمثيل المرأة لإجمالى عدد أعضاء المجلس فى العامين المذكورين إلى نحــو 9% ، 8.25%. ويرجع ذلك إلى صدور قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 21 لسنة 1979 بتخصيص 30 مقعداً على الأقل للمرأة ، مع إمكانية ترشيح المرأة للفوز بأية مقاعد أخرى ، ثم جاء القانون رقم 114 لسنة 1983 فى شأن مجلس الشعب ، فزاد عدد المقاعد المخصصة للمرأة مقعداً واحداً. إلا أنه فى عام 1986 صدر القانون رقم 188 لسنة 1986 الذى نص على إلغاء هذا التخصيص.
وبرغم إلغاء تخصيص المقاعد للمرأة فى مجلس الشعب ، إلا أن نسبة تمثيلها ظلت بعدها مرتفعة نسبياً (18 نائبة من إجمالى 456 عضواً فى مجلس 1987) بنسبة 3.9% ؛ وذلك بسبب الأخذ بنظام القوائم الحزبية النسبية ، حيث كانت الأحزاب فى ظل هذا النظام تضمن قوائمها الحزبية بعض النساء. وقد انتهى هذا الوضع - المتميز نسبياً - أيضاً بالعودة لتطبيق نظام الانتخاب الفردى ، فتراجعت نسبة تمثيل المرأة في المجالس المتعاقبة ، وقد كان هذا طبيعياً فى ظل ما يتطلبه نظام الانتخاب الفردى من قدرة أكبر على حشـد المؤيدين والحصول على الأصوات.
2-المشاركة السياسية للمرأة المصرية خلال الفترة من 2000-2009
إ ن أهـمية هذه الفترة من تاريخ المشاركة السياسية للمرأة المصرية تُعزى لعدة معالم أولها صدور القرار الجمهوري رقم 20 لسنة 2000 بإنشاء المجلس القومي للمرأة ليشكل بذلك خطوة مهـمة علي طريق تعزيز حقوق الإنسان وحريته في مصر. لم ينشأ المجلس بضغط أو بإيعاز من الخارج بل تأسس تعبيرا عن فكر وطني وبإرادة سياسية ومجتمعية وخالصة ، وقد نجح المجلس بالفعل بخلق مناخ إيجابي يناصر قضايا المرأة ودورها المجتمعي ومشاركتها في الحياة العامة .
يمكن القول بأن المجلس القومى للمرأه هو من مؤسسات التغيير الانسانى ‘وهذا التغيير يجد جوهر علاقه المرأه المصريه المستفيده والمستهدفه من أنشطه ‘وعمل المجلس يعبر عن توجهات واتجاهات فى صنع السياسات العامه تجاه المرأه على الصعيد الوطنى‘ وهويمثل أيضا مرآه للقيم الايجابيه التى نتطلع اليها بخصوص المرأه وأوضاعها فى مجتمعنا ‘ولذلك يمكن اعتباره جماعه أو قوه ضغط‘لانه يعمل على اقناع الاجهزه الحكوميه وغير الحكوميه فى التحول الايجابى بشأن قضايا المرأه.
أما العام 2009 فقد شهِد تعديل بعض أحكام قانون مجلس الشعب ليقضي بتخصيص أربعة وستين مقعد للمرأة بمجلس الشعب ولمدة فصلين تشريعيان فقط كوسيلة لدعم الدور البرلماني للمرأة ومشاركتها السياسية الفاعلة مما يعكس دورها الإيجابي في جميع المجالات .
3- المشاركة السياسية للمرأة المصرية خلال الفترة من 2008 – 2011
فى العام 2008 بدأت مشاركة المرأة السياسية تتخذ منحى أكثر مباشرةً و جرأة بغرض إحداث تغيير باستخدام الضغط المجتمعى, حيث برزت على ساحة التغيير السياسى على مستوى القاعدة الشعبية شابات أبرزهن إسراء عبد الفتاح, أسماء محفوظ ونوارة نجم.
وهنا تعرج الورقة على سبيل المثال لا الحصر على أحد الأسماء النسوية الشابة والتى كان لها دور بارز فى تجسيد المشاركة السياسية الفاعلة للمرأة فى مصر وهى إسراء عبد الفتاح.
انها ذللك الوجه النسائى الشاب من قلب الميدان,و الملقبة بـ "فتاة الفايسبوك" وهي صاحبة الدعوة إلى إضراب 6 أبريل 2008.
هذا اضافةً للدور الذى قامت به المصريات فى ميدان التحرير حتى تتمكن ثورة 25 يناير من تحقيق هدفها بإسقاط رأس النظام الفاسد. ذلك ان المرأة المصرية من أم, وابنة, ومتعلمة وغير متعلمة, ومن مختلف الطبقات الاجتماعية من نُخب وقاعديات, كن من أبرز معالم الصورة فى ميدان التحرير طوال ثمانية عشر يوماً.
الدور النسائي البارز جداً في ثورة مصر مازال متأججاً واضحاً وقد كنا نري النساء في قلب ميدان التحرير يتحركن ويناضلن ويصرخن بكل قوة مرددات نفس شعارات الثورة المطالبة برحيل النظام ومحاكمة الفساد، وهن بين منتقبة أو محجبة أو غير محجبة بالجينز أو العباءة مسلمة أو قبطية لا فرق الكل يتحرك بأمان فلا مضايقات ولا تحرشات، كما أكدن جميعاً، الكل اجتمع علي هدف واحد أن تعيش مصر..
4- معوقات المشاركة السياسية للمرأة المصرية
لقد حصلت المرأة المصرية على حقوقها السياسية بمقتضى دستور 1956 , إلا أن إقرار هذه الحقوق لم يواكبه اقبال ملموس من جانبها على المشاركة في الحياة السياسية , وبالذات على صعيدي الترشح في المجالس النيابية وممارسة حق التصويت والانتخاب, لاعتبارات تتعلق بالقيم والتقاليد السائدة في المجتمع وظروف المراة الاقتصادية والاجتماعية. وفيما يلي سيتم توضيح تلك المعوقات التي تحد من مشاركة المرأة والتي تعتبر بمثابة المحددات الأساسية للمشاركة السياسية للمرأة (جدير بالذكر أن هذا الجزء من الورقة يتضمن جزءاً من مخرجات المجموعات البؤرية و المقابلات الحرة).
o الموروث الثقافي والثقافة السائدة :
حيث تعمل الثقافة السائدة في المجتمع على التفرقة بين الشأن العام والشأن الخاص وأن دور المرأة يقتصر على العمل الخاص المتعلق بأمور المنزل والأولاد بينما إدارة الدولة أي العمل العام جزء أصيل من اختصاص الرجل .أيضاً تكرس الثقافة السائدة النظرية السلبية للعمل بالسياسة باعتباره مجرد كلام وتضيع للوقت. ومن ثم هناك رفض الدور السياسي للمرأة سواء كناخبة أو مرشحة وان كانت هناك قيد النساء في جداول الانتخابات فإنها في كثير من الأحيان من منطلق الحرص على مشاركة النساء وإنما من منطلق إستغلال الأصوات النسائية والتي تمثل كتلة انتخابية في تدعيم مرشح تم اختياره من قبل العائلة أو القرية ضد مرشح آخر .
o المعوقات الإجرائية
طبقاً لقانون مباشرة الحقوق السياسية واللائحة التنفيذية له يستلزم استخراج بطاقة الانتخابات وجود بطاقة شخصية وان كون محل الاقامة الثابت بالبطاقة تابعا للدائرة التي يستخرج منها البطاقة الانتخابية ويؤثر لدرجة كبيرة على قيد النساء. حيث أن نسبة كبيرة من النساء غير مقيدات بسجلات المواليد أو فى أحسن الأحوال استخراج بطاقة تحقيق شخصية مما يُمَثل عبء مادى واجرائى على تلك الفئة من النساء القاعديات.
o ضعف وهشاشة الدعم الحزبي للمرأة
لا تحمل الأحزاب المصرية التقديرالكافى لدور المرأة وإمكانياتها في العمل السياسى,بل والغالبية منها تتبنى مفهوماً مغلوطاً يقتصر على المشاركة الشكلية للمرأة . يتضح موقف الاحزاب ليس فقط من خلال التمثيل في الهيئات العليا والترشيح الانتخابات بل وعلي المستوى القاعدي من حيث تكوين الكادر الحزبي النسائي سياسياً.
o وسائل التعليم والتثقيف والاعلام
إن معظم وسائل التعليم والتثقيف والاعلام غالباً ما تسهـم اسهاما كيبرا في ابتداع صورة سلبية للمراة والترويج لها. فالمرأة المطيعة افضل من تلك التي تفكر و تختلف وتناقش. هذا بالاضافة الي أن المستوى التعليمي لا يعمل على تأهيل المرأة للدخول لميدان العمل السياسي فمازال المستوى التعليمي للمرأة منخفضاً وثقافتها محدودة والمامها بالقوانين دون المستوى المطلوب.
o التحول الاقتصادي والعوامل الاقتصادية
اسفر التحول الاقتصادي والإتجاه نحو السوق المفتوح والخصخصة الي انتشار البطالة عامة وتزايدها بين النساء على وجه التحديد , حيث دفعت الخصخصة النساء الي المعاش المبكر وتوقف الهيئات الحكومية في تعيين الاجيال الجديدة مما جعل النساء تفكر في وسيلة لكسب العيش أكثر من المساهـمة في التحكم في قرارات توزيع هذاالعيش . بل وانشغال السواد منهن بكسب العيش أدى الى احجماهن عن المشاركة فى الانتخاب والتصويت.
ذلك أن تدهور مستوى المعيشة للغالبية من النساء لجعلهن يلهثن وراء الحصول على احتياجاتهن الضرورية اكثر من المشاركة في الحياة السياسية فضلا على تردد النساء المهتمات بحقوق الانسان لخوض المعارك الانتخابية وعدم وجود مؤسسات نسائية داعمة للمرشحات توفر الموارد المالية لهن في ظل ما يلعبه المال من دور مهـم في العملية الانتخابية وكذلك ارتباط الانتخابات بالمال والنقود وهو مجال يصعب على المرأة التفوق فيه.
هذا كله بالاضافة الي البطالة فيشير المحللين واستطلاعات الراي العام الي ان البطالة من اهـم واخطر التحديات التي تواجه مصر. ففي المجتمع المصرى تعتبر المراة أكثر تضرّراً من البطالة. وعند الحديث عن العوامل الاقتصادية يبنغي ان نتطرّق لمشكلة الفقر , فالنساء يمثلن حوالي (70%) ممن يعيشون في فقر مدقع ويرجع ضعف الاحوال المعيشية للمرأة الي ظروف سوق العمل والتحصيل التعليمي والوضع الاجتماعي كذلك فان الفشل في إدراج رؤية "نوعية " في التحليل والتخطيط الاقتصادية.
o قلة مؤسسات المجتمع المدنى الفاعلة في مجال دعم المشاركة السياسية للمرأة
يمنع قانون الجمعيات الأهلية عمل الجمعيات الأهلية بالسياسة النسائية أو الأنشطة السياسية وعلى الرغم من ذلك ظهرت العديد من المؤسسات النسائية التي تعمل في مجال المشاركة السياسية للمرأة ومع زيادة وأهـمية الجهود الذي تبذلها إلا أنها تظل محدودة بمحدودية عددها وإمكانياتها. وحتى ما تتولاه هذه المؤسسات من مشروعات تنموية مموّلة من هيئات دولية ومحلية يهدف الى تنمية المشاركة السياسية للمرأة المصرية بشكل كمّى . فعلى سبيل المثال العديد منها استخرج بطاقات انتخابية للسيدات القاعديات لكن لم يُسهـم ذلك فى تشجيع المرأة للإدلاء بصوتها بسبب انشغالها بكسب قوت أسرتها. بل وإن معظم الأنشطة التوعوية السياسية التى تقوم بها غالبية هذه المؤسسات لا تستخدم الأسلوب الذى تتفهـمه النساء القاعديات وتستطيع استيعابه.
o المرأة المرشحة ذاتها
فالمرأة المرشحة ذاتها مسئولة عن المعوقات فأحيانا تكون طبيعة القضايا التي تتبناها المرأة المرشحة مسئولة عن عدم نجاحها. لكن السبب الأوسع انتشارا فى اخفاق بعض المُرشحات هو قدرتهن الاتصالية المحدودة وارتباطهن ببيئة اقتصادية واجتماعية تقتصر على الطبقة الاجتماعية التى تنتمين اليها.
المحور الثانى
المرأة المصرية والمشاركة السياسية: رؤية استشرافية لاستراتيجة فاعلة
وفقاً لكل ما سبق فإن كل تلك الاسباب قد وقفت ومثلت عائقا امام مشاركة المرأة في العمل السياسي . لذلك فإن مواجهة المُعوّقات السابقة التي تواجه المشاركة السياسية الفعالة للمراة المصرية تستلزم استراتيجية أو برنامج عمل يسعى الي رفع المستوى النوعى للحراك السياسى للمرأة فى مصر. وهذه الاستراتيجية يجب أن تُدعِم رفع الوعى بأهـمية فعالية واستدامة مشاركة المرأة المصرية فى الحياة السياسية لدى كل من القطاعات التالية :
المجتمع المحلى : باستهداف تغيير شكل المفاهيم السائدة عن المرأة ,
الأحزاب السياسية: باستهداف تغيير مفهومهـم عن الكادر النسائى الحزبى,
النساء القاعديات: باستهداف توعيتهـم بتأثير المشاركة السياسة على الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية .
وإشارة لما ورد فى التمهيد عن أن ورقة العمل محاولة أولية لمعالجة الموضوع محل الذكر, فسوف يعرض هذا الجزء بشىء من الايجاز الى أهـم الخطوط التى يجب انتهاجها فى سياق الموضوع. وجدير بالذكر أن هذا الجزء من الورقة اعتمد على مقابلات مع نساء قاعديات وبعض من مخرجات تقارير برامج تنموية تم تنفيذها فى سياق دعم المشاركة السياسية للمرأة فى مصر.
أولاً: المجتمع المحلى
كما عُرِض آنفاً من معوِقات تواجه المشاركة السياسية للمرأة فى مصر, خلصت الورقة الى أن جزء كبير منها يرجع الى المفهوم المنقوص الراسخ لدى المجتمع المحلى المصرى عن المرأة وعدم جدوى مشاركتها فى الحراك السياسى. حتى بعد ثورة 25 يناير 2011 لم يتغير هذا المفهوم بدرجة كافية. وعليه فمن بين أنسب الاستراتيجيات التى تستهدف التأثير الفعال على هذا القطاع هى تبّنى برنامج تثقيفى اعلامى فى اطار مبادرة قومية تستهدف خلق صورة ايجابية لأهـمية دور المرأة فى الحراك السياسى. لكن يجب التأكيد هنا على أن ألأساس فى فعالية مثل هذا النوع من البرامج التثقيفية يعتمد على توظيف لغة وشكل للخطاب يتوائم مع الفئة المستهدفة و هى أصحاب مستويات التعليم المتوسطة و الضعيفة بل والأميين أيضاً. مع مراعاة عدم التركيز على توجيه الخطاب للرجل فقط بل لكل أفراد الأسرة.
ثانياً: الأحزاب السياسية
الأحزاب السياسية المصرية تفتقر الى مبدأ مأسسة النوع الاجتماعى فيما يتعلق بتنمية قدرات الكوادر النسائية الحزبية. وعليه فإن قطاع الأحزاب السياسية المصرية فى حاجة ماسة الى أن يُرسى فى ثوابت برامجه لخلق كوادر فاعلة خطة عمل تهتم بتدريب كوادر حزبية نسوية من مختلف الاعمار على الآليات المهنية و استراتيجيات خوض المعترك الانتخابى على مختلف المستويات وأهـما الانتخابات البرلمانية. وهنا نطرح اقتراح برنامج حاضنات حزبية يتمثل فى أن يقوم الحزب بوضع خطة طويلة المدى بتقديم دعم فنى (نظرى وعملى) للكوادر السياسية بالحزب من الشابات و السيدات تؤهلهن لخوض العماية الانتخابية سواء على مستوى البرلمان أوالمحليات او النقابات أو الاتحادات الطلابية.
ثالثاً: النساء القاعديات
إن هذا القطاع هو الأخطر و الأعمق تأثيراً وتأثُراً بمدى فعالية المشاركة السياسية للمراة فى مصر. النساء القاعديات هن الفئة الأكثر تأثيراً فى الحياة السياسية لأنهن من محددات مسارات ودرجات سيطرة الفصائل السياسية على عملية صناعة القرار فى مصر. بمعنى أنهن اذا ما تمّ توظيفهن ككتلة تصويتية لفصيل سياسيى بعينه فى الانتخابات البرلمانية على سبيل المثال, فذلك يؤدى بدوره الى سيطرة هذا الفصيل على العملية التشريعية و سن القوانين بالدولة من خلال تواجده بالبرلمان. وفى ذات الوقت هن الأكثر تأثُراً, فطبقاً للوضع الاقتصادى والتعليمى الضعيف لهذه الفئة فإنهن أول من يتأثر بأى تغيير فى التشريعات المتحكمِة فى اليات السوق.
وبالتالى فإن من اكثر استراتيجيات رفع وعيهن السياسى فعالية هى تلك التى تعتمد على أنشطة تمكين حيايتة بجانب أنشطة التوعية السياسية. ذلك أنه برغم أن العديد من مشروعات المجتمع المدنى قامت باستخراج بطاقات انتخابية لنسبة كبيرة من القاعديات فى السابق , الا أن نسبة تصويت هذه الفئة لم تكن كما هو متوقع. ذلك فى الاساس كان مرجعه أولاً عدم تفهـم هذه الفئة مدى الصلة الوثيقة بين العوامل التى تتحكم فى آليات كسب قوتهـم يومياً وبين اختياراتهـم السياسية, ثانياً انشغلن معظمهن بكسب قوتهـم فلم تستطعن الادلاء بأصواتهن. هذا و قد لوحظ فى انتخابات 2011 البرلمانية استخدامهن ككتل تصويتية من جانب بعض التيارات السياسية.
لذلك يجب أن تنتهج مؤسسات المجتمع المدنى والدولة خطط توعية سياسية لهذه الفئة تضم آليات تمكين حياتية (مثال ذلك التمكين الاقتصادى, محوالأمية, رفع مستوى التعليم....الخ). كما يجب أن تعتمد الأنشطة التوعية السياسية الموّجهة لتلك الفئة على توضيح الارتباط الوثيق بين مشاركتهن فى التصويت و العملية الانتخابية وبين العوامل الاقتصادية و الاجتماعية التى تتحكم فى الحياة اليومية لهن ولأسرهن. إن المشاركة السياسية السليمة لهذه الفئة تُعد من أهـم ضمانات استدامة أى مكاسب تحققها و تصل اليها المرأة المصرية.
الخلاصة:
من كل ما سبق يتضح أن قضية تفعيل وتدعيم قدرة المرأة المصرية على ممارسة جميع أنماط المشاركة السياسية يجب أن تحتل مكان الصدارة بين أولويات التخطيط سواء على مستوى الدولة أو مؤسسات المجتمع المدنى . ان عملية مأسسة النوع الاجتماعى كأساس للحياة السياسية المصرية على مستويات الترشح و التصويت. ويجب أن تنتهج الأطراف المعنيّة بهذه القضية آليات أكثر فعالية و تمكيناً للمرأة حتى يتسنى لها الحفاظ على أى مكتسبات تجنيها. ذلك أن آليات ما قبل 25 يناير قد تكون حققت بعض المكتسبات للمرأة فيما يتعلق بتواجدها بالبرلمان, لكنها لم توِفر آليات استدامة هذه المكتسبات من خلال ضعف مستويات التمكين الحياتى للمرأة من تعليم وتوظيف , السبب الذى ادى بالمرأة ان تُستغل ككتلة تصويتية لبعض التيارات السياسية فى انتخابات 2011.
إذن يجب أن تكتمل عملية دعم المشاركة السياسية للمرأة فى مصر بشكل فعال عن طريق استراتيجية متناسقة تعمل على تغيير الصورة السلبية التى يتبناها السواد الأعظم من المجتمع المصرى عن دور المرأة السياسى, حتى يتحول هذا المجتمع الى بيئة داعمة للمرأة. واضافةً لمجتمع داعم, يأتى دور أساسى لكيان حزبى داعم أيضاً ولن يتأتى ذلك دون تفعيل الاحزاب السياسية المصرية لمبدأ مأسسة النوع الاجتماعى عند تكوين قاعدة الكوادر الحزبية عندئذٍ سيتحقق للمرأة نصيب عادل وفاعل من التمثيل الحزبى. كما أن الاحزاب يقع على عاتقها أيضاً مهـمة دعم دور المرأة السياسى باعدادها و إمدادها باساسيات الآلية الفعالة لخوض المعارك الانتخابية.
ومع كل ما سبق, الا أن حجر الأساس والضمانة الرئيسية لتحقيق واستدامة انجازات المرأة المصرية فى الحياة السياسية هن القاعديات المصريات. ان هذه الفئة هى الركيزة الأساسية التى دونها لا يكتمل أى حراك نسوى مصرى سليم. لكن كما سبق و عرضنا له فإ ن مناهج التوعية السياسية المتبعة قبل 25 يناير لم تكن بالفعالية الكافية لا على مستوى الاسلوب و لا لغة الخطاب, وعليه فنؤكد على أهـمية اتباع آليات توعية تعتمد على أنشطة تمكين حياتى لهذه الفئة. وعليه يتضح أن تحقيق المنظور التنموى فى تخطيط آليات التوعية السياسية أمسى ضرورة يجب اتباعها من قِبَل المؤسسات المنوط بها هذا الدور سواء كانت تابعة للدولة أو للمجتمع المدنى.
أخيراً وليس آخراً, بالرغم أن نصيب المرأة المصرية من ربيع الثورات العربى لم يكتمل بعد إلا أن قضية تفعيل و تحفيز المشاركة السياسية للمرأة فى مصر تتصدر أولويات المجتمع فى كل أوان. ولا بد للمرأة المصرية عل اختلاف مستوياتها التعليمية , الاجتماعية أو الاقتصادية أن تعى حقيقة أنها هى الوحيدة القادرة على تحقيق قدراً من الحرية يضمن لها العدالة الاجتماعية و الكرامة الانسانية التى تمكنها من أداء دورها فى المجتمع سواء من داخل المنزل أو خارجه على أكمل وجه.
المراجع:
* "أُطُر التحليل الجندرى", كانديدا مارش, ترجمة ريما فواز الحسينى.
* " حقوق النساء والمشاركة السياسية", موقع الشبكة الأوروبية-المتوسطية لحقوق الانسان.
www.euromedrights.org
* "قضايا ما بعد ثورة 25 يناير", موقع رواق ابن خلدون للدراسات الديموقراطية.
* مجلة الحوار المتمدن, العدد 3451 , بتاريخ 8 سبتمبر 2011, "مواضيع و أبحاث سياسية" اسلام محمد السيد.
* أمانى مسعود, حضور المرأة فى الحياة السياسية: ورشة عمل التوعية السياسية للطالبات الجامعية, (القاهرة: صندوق الأمم المتحدة) 2008.
* جابر عصفور, "دفاعاً عن المرأة", (القاهرة, كتاب اليوم, 2007)
* موقع منظمة المرأة العربية
* موقع جريدة الشروق
* مجموعات بؤرية مع نساء قاعديات بمحافظة الدقهلية, جمعية التنمية و الرقى الحضارى.
* مجموعة بؤرية مع سيدات عاملات ذوات مؤهلات عليا, مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الانسان.
* مقابلات:
· عبير نصار, مدير عام مشروع "دعم السيدات المعيلات" جمعية التنمية و الرقى الحضارى, الدقهلية.
· أميرة عبد الفتاح, أمين عام جمعية النهوض بالمرأة, المنيا.
· سحر توفيق منصور, معدة برامج المرأة والطفل, اذاعة القاهرة الكبرى.
* تقارير:
· "تمكين المرأة من الحكم المحلى" (وصول), مؤسسة ماعت للسلام و التنمية وحقوق الانسان بالتعاون مع الوكالة الاسترالية للتنمية الدولية
· "مناهضة العنف ضد المرأة", مؤسسة حواء المستقبل بالتعاون مع هيئة كير مصر