قراءة في دور المجتمع المدني في مرحلة ما بعد الربيع العربي ....... فلسطين نموذجا

PDF version

المحتويات:
مقدمة
الربيع العربي: بين الإزهار المتأخر والإثمار المبكر!
المجتمع المدني في البلدان العربية
ربيع فلسطين: بين الإزهار المعجل والإثمار المؤجل!
المجتمع المدني الفلسطيني
استنتاجات وتوصيات
 
 مقدمة
فرضت الثورات العربية (أو ما اصطلح على تسميتها بالربيع العربي) واقعاً جديداً على الوجود السياسي للمجتمعات العربية؛ من حيث تكثيف التفاعلات الأفقية، فتح الأبواب أمام إمكانيات حقيقية للتحول الديمقراطي والتأسيس لنظم سياسية جديدة، فضلاً عن انعكاس هذا الواقع الناشئ على القوى السياسية والاجتماعية. يمكن القول أنه لم يعد بمقدور هذه القوى، والحال كذلك، الاستمرار دون إعادة التفكير والنظر في أنماط سلوكها وخطابها وعلاقاتها. تعالج هذه الورقة مدى فعالية الدور الذي لعبته وتلعبه منظمات المجتمع المدني بشكل عام، والمنظمات الأهلية على وجه الخصوص، في الربيع العربي، سواء في إحداث الحراك الشعبي، أو في إعادة بناء النظم الجديدة.


 
تهدف الورقة إلى استشراف آفاق ربيع العرب، مع التركيز على طبيعة المجتمع المدني وأدواره، في ضوء تجربة ربيع فلسطين في السنوات الأخيرة، بما في ذلك تجربة المجتمع المدني الفلسطيني، وذلك باستخدام مقولة "الفعالية السياسية" كمقولة تحليلية.
تعتمد الورقة التعريف الإجرائي التالي للربيع العربي "انعطافة كبرى في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام. تشكل هذه الانعطافة نقطة تحول بين زمنين، تتغير معها علاقات القوة، شكل الدولة، طبيعة النظام ونمط إدارة المجتمع، بتأثير عاملين/ديناميتين، داخلية تتمثل في الحراك الجماهيري غير المسبوق، وخارجية تتمثل في تأثيرات المحيط وتدخلات الإقليم وقوى النظام العالمي سلباً أو إيجابا. أخذ الربيع العربي النمط التالي: التواصل والتعبئة عبر العالم الافتراضي، النزول إلى الشارع، الصراع ضد القصر، الانتقال من الميدان/الشارع إلى المجال السياسي العام". ورغم المحاذير والتخوفات التي باتت تطل برأسها، ما دفع بالكثيرين إلى تغيير مواقفهـم واتسامها بالتشاؤم لدرجة إعادة توصيف ما يجري بوصفه خريف أو شتاء عربي، وبلغة سياسة، إعادة ترسيم خارطة المنطقة لمصلحة قوى إقليمية ودولية، أقول بالرغم من ذلك فالورقة تنظر إلى الربيع العربي بوصفه مبادرة تاريخية تنخرط فيها جموع الجماهير التواقة للحرية والديموقراطية والكرامة والعدالة، ووسيلة للتحرر من جبروت الأنظمة المستبدة، وأمل يفتح على مسارات وخيارات جديدة. من بين التخوفات التي تنظر إليها الورقة بجدية، وتفترض أنها تشكل تحدياً هائلاً أمام القوى السياسية والاجتماعية النازعة للديموقراطية، ما يلي: وصول حالة التفكك الجارية الآن إلى مديات بعيدة وصولاً إلى زوال الدولة والدخول في الفوضى الشاملة، استغوال العامل الخارجي وتأثيراته على مجريات الأحداث في اتجاهات بعينها وتمكنه من السيطرة والتحكم، وصول الحركات الاسلامية إلى سدة الحكم، مع ما يحمله هذا الأمر من تساؤلات مشروعة وتخوفات جدية، أخطرها، تعرض النزوع للديموقراطية إلى انتكاسة كبرى على يد هذه القوى التي لم يثبت بالتجربة التزامها بقواعد اللعبة الديموقراطية ومبادئها وضوابطها. وبالرغم من ذلك، فما يحدث بمثابة حرب أهلية سلمية إلى حد كبير، من شأنها أن تفضي في نهاية المطاف إلى عمليات إعادة بناء اجماع حقيقية في إطار دول مدنية عصرية قد تندرج/تندمج في تكتلات إقليمية أوسع.
تستخدم الورقة مفهوم الفعالية السياسية، باعتبارة قدرة المنظمات السياسية والمدنية على تعديل علاقات القوى الاجتماعية، عبر مقاربات وإستراتيجيات التمكين والمناصرة والتنظيم وبناء الوعي وتقديم البدائل التنموية، بما يسهـم في تعزيز قدرة الفئات الاجتماعية الضعيفة على إسماع صوتها والتعبير عن مصالحها والتأثير في السياسات ذات الصلة. تشتمل الفعالية السياسية على طيف واسع من العمليات الاجتماعية والتدخلات العملية، تعزيز الحقوق، التأثير في الشأن العام، المشاركة، تقليل التفاوت وخلق الفرص المتكافئة، الحماية ضد المخاطر، العدالة الاجتماعية. بكلمات محددة، تنطوي الفعالية السياسية على ثلاثة أبعاد: المشاركة، الحقوق، بناء القدرات!
ومثلما أكدنا في المؤتمر السنوي السابق عن حال المجتمع المدني، على أن الفعالية في الحالة الفلسطينية تعني القدرة على الاستجابة الخلاّقة للتحديات الماثلة أمام الفلسطينيين في الوقت الراهن: إعادة بناء الاجماع، وقف التدهور في الأمن الإنساني، مواجهة الاحتلال وسياساته وممارساته. فإننا نضيف، في ضوء قراءتنا للربيع العربي، مضامين جديدة لهذه الفعالية تتمثل في أولاً، إتاحة الفرصة للشباب كي يضطلعوا بدورهـم في تحمل مسؤوليات وأعباء المشروع الوطني بركنيه التحرري والمجتمعي وقيادته في طوره الجديد، وثانياً، تعديل موازين علاقات القوة لصالح الفئات والمجموعات الضعيفة والفقيرة، إذ بدون ذلك يفقد مشروع الفلسطينيين طابعه التحرري والإنساني، ناهيك عن فقدان قدرته على هزيمة المشروع الاحتلالي والاستيطاني. 
 
قد لا يكون هؤلاء الشباب الذين اندفعوا إلى ساحات المواجهة ضد أنظمة الاستبداد من محترفي السياسة، غير أنهـم بالتأكيد انطلقوا من قلب المجتمع والسياسة. قدموا فعلاً تاريخياً مبدعاً ومولداً لآفاق جديدة في العمل السياسي والاجتماعي. وإذا كانت وجهات النظر اختلفت حول وصف ما يحدث بالثورة، غير أن ثمة اتفاق واسع على أن ما يحدث يشكل انطلاق مشروع الإصلاح السياسي العربي المنتظر منذ زمن، والمحتجز بفعل قوى المحافظة الداخلية والقوى الخارجية المتربصة. تشكل هذه الورقة محاولة أولية لقراءة ما يحدث، وتسليط الضوء على واحدة من أكثر قضايا الإصلاح تعقيداً: المجتمع المدني، بوصفه مقولة معيارية وتحليلية لفحص اختلال التوازن في علاقة عناصر الوحدة الاجتماعية (فرد/مجتمع/دولة) في ظل الدولة الغنائمية، وكيفية إعادة التوازن لهذه العناصر في ظل الدولة المدنية.
 
الربيع العربي: بين الازهار المتأخر والاثمار المبكر!
تمهيد:
تقدم هذه الورقة قراءة مكثفة للربيع العربي بالقدر الذي يساعد على فهـم وتحليل دور المجتمع المدني وكذلك معرفة أين اتفقت الأراء بشأنه وأين اختلفت، من حيث الأسباب والتداعيات والديناميات. لم يأت هذا الربيع دفعة واحدة، ولم يسقط من السماء، حتى وإن بدا مباغتاً ومفاجئاً للكثيرين. ثمة خلفيات تاريخية، عمليات تراكمية، نضالات مستمرة وصلت ذروتها، الآن، وتكاد تفضي إلى زمن جديد أو طور جديد من أطوار حياة العرب. فمنذ لحظة سقوط الخلافة العثمانية، وتحدي الاستعمار الغربي، وفي ضوء تأثيرات الحداثة، والعرب يكافحون من أجل تحديد موقعهـم على خارطة العالم الجديد، بإعادة تعريف هويتهـم وبناء كيانهـم السياسي، ودائماً في ظل وجود تحديات هائلة، داخلية وخارجية.
 
اخفاق الدولة القطرية:
انتزع العرب استقلالهـم السياسي في مجموعة من الدول القطرية، طبقاً لاتفاقية سايكس بيكو، وظنوا أن بمقدورهـم بناء دولة حديثة. لكنها جاءت على غرار دولة المستعمر، وتبنى القائمون عليها مشاريع تحديثية غابت عنها المضامين السياسية والاجتماعية الفعلية، فغلب عليها الطابع الأمني والقمعي، وسرعان ما تشكل نموذج للحكم يتسم بالتسلط والاستبداد، ما دفع أوسع فئات المجتمع للتعامل معه بالريبة والحذر أو بالمقاومة والرفض. إن من الحقائق الساطعة، التي يكشف عنها ربيع العرب اليوم، أنه لم يكن مقدراً لهذا الربيع أن يزهر لولا مراكمة النضالات السياسية والنقابية والحقوقية رداً على الخيبات التي رافقت بناء الدولة الوطنية. والأمثلة كثيرة وعديدة؛ أحداث الجزائر 1988 بسبب غلاء المواد الغذائية، انتفاضة البحرين في التسعينيات، انتفاضة الخبز في الأردن 1996، إضرابات مناجم قفصة في تونس 2008، نشاطات حركة كفاية في مصر، الانتفاضات الفلسطينية، وغيرها من الأحداث. هذا علاوة على الحراك الفكري الذي شهدته الساحة العربية خلال السنوات الأخيرة، والمتصل بالمراجعات الكبرى، وطرح البدائل، عبر الحوار بين التيارات الفكرية والسياسية الأساسية، وعبر محاولات بناء ائتلافات وتحالفات جبهوية.
 
الخروج الكبير: إعادة بناء المجتمع والدولة
ولج العرب الألفية الثالثة وحالهـم، مثلما ورد في تقرير التنمية البشرية الأول، يرثى لها، وبدوا وكأنهـم "خارج التاريخ" من حيث مؤشرات الحرية والمعرفة والنمو والتنمية البشرية. ولم ينقض العقد الأول من هذه الألفية حتى بلغ الشعور بالمهانة والاذلال، حداً أخرجهـم عن طورهـم، أي عن صمتهـم وخضوعهـم، في مليونيات غاضبة اجتاحت الشوراع وعسكرت في الميادين، متحدية الخوف والقهر ومصممة على إحداث التغيير: إعادة بناء المجتمع والدولة. ولم يكن غريباً أن يقترن الربيع العربي بحراك الشباب، أي الملايين من أبناء العرب ممن انعدمت لديهـم أسباب الأمل في المستقبل، واجتاحتهـم مرارة الاحباط واليأس من نظام شمولي ومن أوضاع اجتماعية واقتصادية متردية، وفوق ذلك كله، انتابهـم غضب غير مسبوق ناجم عن إحساسهـم بالعجز في مواجهة سحق كرامتهـم اليومي، وسحق كرامة الأمة بالاحتلالات وأعمال النهب المنظم وإذلالاها بتواطؤ واضح وفاضح من حكامها ونخبهـم الفاسدة. اسعفتهـم التكنولوجيا في التغلب على رصد الأمن وملاحقته، وقهر العزلة المفروضة على تواصلهـم وتفاعلهـم، فبات الفضاء الالكتروني مجالاً عاماً ومفتوحاً للتعبئة وتبادل الأفكار والمشاعر، وبناء التوافق على ما يجب القيام به. بنزولهـم إلى الشارع في مواجهة مفتوحة مع القصر، مع منظومة الفساد الاستبداد، أعلنوا ولادة جيل جديد من العرب، وسجلوا نقلتين حاسمتين على الطريق إلى الحرية والديموقراطية: الأولى، انتقال الشباب من العالم الافتراضي (العزلة والانكفاء والتهيب والحذر) إلى معترك الحياة الواقعية (الاندماج والمواجهة والجرأة)، والثانية، تحول انتظامهـم العفوي في نشاطات احتجاجية غرضها تصحيح أوضاعهـم الاجتماعية، إلى ثورة شعب بكامله، أو قل ثورة أمة.
 
حصاد العام الأول: تقييم سريع
اليوم، ونحن على مقربة من نهايات العام الأول للربيع العربي، بحصاده وانجازاته وتحدياته وتباين المواقف منه وتفاوت نماذجه في البلدان العربية، نقف أمام سيل هائل من التحليلات للاجابة على أسئلة كبرى: ماذا حدث؟ ولماذا؟ وماذا بعد؟ من يقف وراء ما حدث؟ وإذا كان تعبير "الحراك الشبابي" الذي أطلق على الربيع العربي في بداياته، بات قاصراً في تفسير الأحداث المتلاحقة والاحاطة بلالاتها، غير أنه لا يختلف اثنان على حقيقة أن الشباب هـم من أشعلوا الشرارة الأولى، وهـم من شكلوا المجاميع الكبرى في الميادين العامة وفي المظاهرات العارمة، وهـم من تحدوا الجلاد وثقافة الخوف، وهـم من حددوا للثورة شعاراتها الأساسية ومساراتها المختلفة.
ولأغراض معالجة دور المجتمع المدني وإبراز أهـم المعضلات التي باتت تواجهه واستشراف آفاق المستقبل، سوف أكتفي بتسجيل بعض الاستخلاصات العامة فيما يتعلق بالربيع العربي ونماذجه على النحو التالي:
 
(1) لم تندلع الثورات العربية لمواجهة أنظمة الحكم الشمولي فحسب، بل ولمواجهة تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية غير المسبوق. استهدف الربيع العربي، بالاجمال، اسقاط الدولة الغنائمية وتفكيكها كما يقول د.عزمي بشارة، بوصفها مصدر الأزمة بعد توالي فشل سياساتها التنموية والاستبدادية. ولذلك، رفع المتظاهرون شعار "الدولة المدنية". ولعل في بعض الخصائص المشتركة للحالة في معظم البلدان العربية، ما قبل اندلاع الثورات، ما يفسر أسباب هذا الاندلاع: بيئة مجتمعية لا تحض على الإبداع والمعرفة، تكرس ثقافة الخوف والاتكالية والجبن، تتسم بالتفاوت الشديد، تضعف الدولة وتفقر المجتمع، جراء احتكار القوة، من قبل طغمة تسلطية في شكل أسر حاكمة تعتمد على العصبيات وروابط الدم لضمان الولاءات، متحالفة مع فئات البرجوازية، وتوكل لأجهزة الأمن أدواراً سياسية، وللجيش مسؤولية حمايتها وتأبيد بقاءها في سدة الحكم، وللمعارضة التقليدية مهـمة إضفاء قدراً من التسامح والتصالح والتعدد الشكلي، وتعامل بقية أفراد الشعب بوصفهـم رعايا أو موالي. 
 
(2) أسقط الربيع العربي، بالرغم من كل شيء، نظرية التشكيك وخطابها المتهافت: إذ لا يمكن لنظام أن يحكم إلى الأبد مهـما امتلك من أدوات القمع، وإذا كان من الحكمة أخذ موازين القوى الدولية بالاعتبار، غير أن التحول الديموقراطي غير مرهون البتة بإرادة هذه القوى، بل بإرادة الشعوب، كما لا يمكن لأحد أن يدعي بعد اليوم أن المجتمعات العربية غير قابلة للديموقراطية، مهـما صاحب مسار التحول نحوها من عذابات وصراعات مهولة. كان من اللافت إعلاء شأن الخطاب الديموقراطي المدني في شعارات الثورة، وفي ممارسات القائمين عليها، سواء في مرحلة الميدان أو في المرحلة التالية، أي في المجال/الحقل السياسي كما عبرت عنه الانتخابات على سبيل المثال. ولعل في أبرز سمات الربيع العربي (السلمية، العفوية، التشاركية والجماهيرية، التواصل الاجتماعي وخلق وعي مشترك) ما يظهر بوضوح مدى توفر المنطلقات والأسس النفسية والسياسية والاجتماعية للديموقراطية، وعياً وممارسة.
 
(3) عودة السياسة أو العودة للسياسة. في زمن القهر والاستبداد كانت قوى المعارضة، أو بعضها قد استعاضت عن الفعل السياسي المباشر بالعمل الأهلي (القوى الإسلامية خصوصاً)، بعض القوى الليبرالية عبرت عن ذاتها بالتظاهر والشعارات في نطاقات محدودة، بينما عاشت الأحزاب التقليدية فترة من الجمود والنخبوية، وغالباً تحت عباءة النظام. مع الربيع، عادت الروح للعمل السياسي. ومن تجليات ذلك، انطلاق عملية تسييس شعبي كبرى وواسعة النطاق، أعقبها حالة استقطاب حاد (فرز وإعادة اصطفاف بين القوى السياسية وداخلها)، الانشغال في جدل حول مجمل القضايا، الافتراضية والفعلية، المخّتلقة والواقعية، الهامشية والأساسية، الانشداد إلى الماضي مع التشوف للمستقبل. يترافق مع إعادة الاعتبار المادي والرمزي للعمل السياسي، بعض الظواهر التي ينبغي ملاحظتها كما يلي: الافتقار للرؤية السياسية والوضوح الأيدولوجي إلى حد كبير، الانتقال التدريجي من الشارع، أي من الميدان إلى المجال السياسي العام، تشكل عدد هائل من الأحزاب السياسية والجمعيات المشتغلة في الشأن العام، أو ما يمكن تسميته بالانفجار الحزبي، تنامي ظواهر الانتهازية (النخبة السياسية) والجبن (النخبة الثقافية) والغوغائية (المتظاهرون في الشارع)، سيطرة القوى السياسية التقليدية على المشهد العام، بينما تتشرذم قوى الثورة (بين صفوف الشباب خصوصاً)، تفجر طاقات العنف بأشكال مختلفة وجديدة (ارتخاء قبضة الدولة، ضعف تقاليد الحوار واشتداد حدة التنافس).
 
(4) إلى ذلك، يمكن تسجيل بعض الملاحظات والمحاذير التالية بشأن مستقبل الربيع العربي، ومستقبل المنطقة عموماً: الثورة في كل بلد يحددها حاصل تأثير العامل الخارجي وتراكم الاستحقاق الداخلي، نجاح الثورة يعتمد على درجة التجانس المجتمعي والتمايز المؤسساتي، وبالتالي قد يخلق الصدام مع بعض الأنظمة شرخاً في المجتمع، تفجر الصراعات بأشكالها، قد يفضي إلى حالة من الفوض العارمة يصل معها التفكيك إلى مستوى الوحدات العضوية الأولى (الطائفة، القبيلة، الجهة، العرق)، قد يعاد إنتاج منظومة التسلط والاستبداد (ثمة مؤشرات على ممارسات اقصائية بين قوى الثورة، أو بينها وبين بعض مكونات المجتمع)، عودة التحالف القديم بين السلطة والمال إلى المشهد السياسي عبر أشكال جديدة للفعل الاجتماعي والسياسي (ما يطلق عليه قوى الثورة المضادة مع تحالفاتها الخارجية)، من مؤشرات ذلك سيطرة عدد من رجال الأعمال على معظم المنابر الإعلامية، تطورت أشكال الثورة داخل البلد الواحد، وتمايزت بين البلدان، فمن الاحتجاجات الجماعية ضد الفقر والتفاوت والاستبعاد، إلى انتفاضة شعبية تعم أرجاء البلاد، إلى ثورة سياسية تستهدف خيارات النظام السياسي ورموزه المادية والبشرية، وفي كل الأحوال كان عنوان الحقوق السياسة والاجتماعية والاقتصادية هو العنوان الأبرز، على حساب الشعارات الأيديولوجية المعتادة. ثمة تحديات حقيقية تواجه الفكر السياسي العربي في قدرته على مواكبة واستيعاب المتغيرات السريعة وإمكانية تأطيرها، الانتقال من زخم لحظة الانفعالات الجماهيرية إلى المرحلة التالية، عدم الاكتفاء بالثورة على مستوى الأنظمة السياسية حتى لا تؤدي إلى انقسامات مجتمعية حادة، وكي لا تتحول عملية صياغة العقد الاجتماعي لما بعد الثورة إلى فتنة تمزق أوصال المجتمع وتمهد لعودة الاستبداد والتسلط. تحرير الاقتصاد من الخوات والاحتكار ووصفات البنك الدولي، وإعادة صياغة نموذج لا يقوم على موارد ريعية فقط، ويسمح لمختلف الفعاليات بالعمل في مناخ آخر، ويقتص من التعديات على المال العام ليعيد للدولة فعاليتها في سياسات تحفيز وإعادة توزيع اجتماعية ومناطقية ضرورية.
 
المجتمع المدني  في العالم العربي: تقييم الدور الحالي والمستقبلي من منظور الفعالية السياسية
تمهيد:
يمكن التقاط سمات وخصائص هامة محل اتفاق وإجماع من سيل التحليلات التي واكبت أحداث الربيع العربي، من بينها أن هذا الربيع، يعبر عن توق الشعوب العربية وطموحها للديموقراطية وللعدالة. ولأن الأمر كذلك، يقول سمير أمين، فإن مشاركة المجتمع المدني، بغض النظر عن درجة الالتباس في هذه التسمية، في تشكيل المجتمعات، يمكن أن يكون، أسلوباً مفيداً-أي نقطة بداية- لإثارة قضبة الديموقراطية بكل جوانبها. وهذه هي ذات النتيجة التي توصل إليها تقرير التنمية البشرية في فلسطين 2010، ومفادها أن الخروج من المأزق (انسداد المسار السياسي وتعثر المسار الديموقراطي) يتمثل في الاستثمار في مشاركة المجتمع المدني، أي في التعبئة الشعبية. يستخدم مفهوم المجتمع المدني في هذه الورقة باعتباره عشرات الألوف من الجمعيات والمراكز والهيئات والأطر القائمة فعلاً وتعمل نسبياً خارج إطار الأسرة والدولة والسوق. وتضم طيفاً واسعاً من الفضاءات والفاعلين والأشكال المؤسسية، تتفاوت من حيث الشكل، درجة الاستقلالية والنفوذ. كما أن الورقة تميل لاستخدام المفهوم بدلالاته الوصفية لتقييم مدى التوازن بين عناصر الوحدة الاجتماعية (فرد/مجتمع/دولة)، وبدلالاته المعيارية والأيديولوجية المستمدة من نظرية أنطونيو غرامشي. إذ أنه بالرغم من أن المجتمع المدني هو ناتج عن تزاوج الليبرالية والرأسمالية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في ظل النظام الرأسمالي، إلا أنه بالمقابل، يظل ميداناً متنازع عليه بين هيمنتين، هيمنة الطبقات الحاكمة وهيمنة القوى/الطبقات السياسية والاجتماعية التي تسعى إلى التغيير.  
 
جدل العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني:
تعرف العرب على مفاهيم المجتمع المدني وعلاقته مع السلطة ومفاهيمه عن الالتزام بعد أن قضت الدولة العربية التسلطية على هامش المجتمع، فبات عاجزاً، إلى حد كبير عن الفعل والتأثير. وجدت هذه المجتمعات فيما عرف بالمنظمات والجمعيات تعويضاً عن غياب الدولة السياسي وعدم حضورها الاجتماعي بحكم سنوات الاستبداد وأحكام الطوارئ. تسببت الدولة الغنائمية، بتعبير عزمي بشارة، في انحلال جميع العرى الاجتماعية، والقضاء على أي أثر للروح العمومية، للوعي الجمعي والإرادة العامة. لقد جرى إفراغ الحيز العام (الحياة السياسية والاجتماعية) من مضمونه الفعلي، أي أن يكون حيزاً لصراع بين أفكار وبرامج سياسية وحركات اجتماعية تعتمد قاعدة شعبية تمكّن من إرساء تداول على الحكم. أو فضاء تلتقي فيه الناس حول قضايا أو مصالح أو مشاعر مشتركة، عبر العمل الجماعي والحوار العقلاني، والتفاوض.
 
ولأنها دولة ريعية، ليست رأسمالية بمفهوم غرامشي، أي ليست دولة مواطنيها، فقد استمدت بقاءها من  تعميم الخوف الدائم والتهديد المنظم الذي يضمنه الحضور الشامل لأجهزة الأمن والقهر والمخابرات، والاستخدام المفرط للعنف الرمزي والمادي معا، وسن قوانين المراقبة على كل ما يتعلق بالاتصالات الحديثة والقديمة، وتنويع القيود المفروضة على تنقل الأفراد وحركتهـم داخل بلدانهـم وخارجها، وكسر حلقات التواصل الاجتماعي والثقافي، وتجنيد قسم كبير من النخب المثقفة لبث أيدولوجية القهر الذاتي التي تقوم على تغذية مشاعر كراهية الذات وتشجع على الانخلاع عن الهوية والتبرم بالانتماء للجماعة التاريخية والثقافية. وبغياب المواطن الحر، انعدمت شروط المجتمع المدني، إلا ما كان من جمعيات ومراكز استمدت قدرتها على العمل والبقاء، إما من هامش ضيق أتاحته بعض هذه النظم، وإما بالاعتماد الكامل على الخارج، وإما بالعمل في غفلة عن النظام، ودائماً بتجنب العمل في المجال السياسي. غير أن بعض البلدان شهدت تطوراً ملحوظاً، بالرغم من كل ذلك، لمنظمات المجتمع المدني، ولذلك كان نجاح الثورة فيها أكثر وضوحاً، ولم تصل فيها عمليات التفكك إلى مستوى العضويات والجهويات.
 
بالإجمال يمكن القول أن انعدام الحريات وغياب الكرامة والعدالة أدى إلى إضعاف المجتمع، ومن ثم إضعاف الدولة ذاتها وانكشافها إزاء التحديات الخارجية. اعتمدت الدولة الريعية على مقايضة الرفاه الاقتصادي، الموهوم في أغلب الأحوال، بالحريات السياسية، وأغلقت المؤسسات السياسية أمام التنافس السياسي الحقيقي، وفي بيئة إقليمية غير مؤاتية للإصلاح السياسي، استمرت أسباب العجز الديموقراطي عربياً، وتذرعت الأنظمة بالصراع العربي الإسرائيلي في وقف عمليات التحول الديموقراطي.
 
الهروب إلى المنظمات الأهلية:
برزت في العقود الأخيرة مجموعة من الجمعيات ومراكز البحث وحقوق الإنسان، تحت تأثيرات العولمة ورياحها، استجابة محدودة من قبل الأنظمة لإضفاء قدر من الديموقراطية على حكمها، ولامتصاص نقمة الجمهور العريض من غياب المشاركة ومن تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في ظل الخصخصة والفساد واجهاض التنمية. ومن ناحية أخرى، رغبة البعض في تجنب الصدام المباشر مع الأنظمة التي تحظر الأحزاب أو تقيد حرية حركتها أو تفرض حضورها شكلانياً فقط، وتلاحق قواها وأجهزتها الأمنية كل نشاط سياسي تعبوي في صفوف الجماهير. إلى ذلك، رد فعل على هذه الأحزاب التقليدية الممالئة للنظام أو المرعوبة منه أو التي تعاني هي ذاتها من فساد داخلي وترهل تنظيمي واحتكار الطغم المستفيدة في القرارات والموارد. وأيضاً باعتبار الجمعيات قناة أساسية للحصول على تمويل خارجي ضروري للقيام بفعالياتها وأنشطتها. فضاء العمل المدني والجمعياتي جذب كل الراغبين في العمل العام مع ما ينطوي عليه ذلك من معارضة سلمية للنظام عبر تقديم البدائل التنموية، التعبئة الاجتماعية وبناء الوعي، رصد الانتهاكات والإبلاغ عنها، تقديم بعض الخدمات المادية والمساعدات لجمهور كبير يعاني الفقر المدقع ونقص الخدمات والافتقار للحماية الاجتماعية ضد أشكال التهديد والانكشاف.
الافتقار للفعالية السياسية:
يمكن القول، أنه وبالرغم من وجود آلاف الجمعيات والمنظمات، أن المجتمع المدني العربي كان يفتقر إلى الفعالية السياسية. إذ لم يتحول المجتمع السياسي إلى دولة حقيقية، وغابت الشروط الممهدة للديموقراطية، واستعيض عن مفهوم المؤسسة بالعلاقات الشخصية والزبائنية، وانعدمت فرص التوسط بين الفرد (الرعية)، وبين الدولة المتسلطة، التي حالت دون أي نشاط سياسي جدي لهذه المنظمات، عبر الملاحقة الأمنية وسن التشريعات المقيدة. إلى ذلك، عمد الليبراليون الجدد، عبر ميكانيزمات التمويل والدعم الخارجي، إلى تضييق مفهوم المجتمع المدني وحصره في تقديم الخدمات الاجتماعية بدلاً من الدولة واستبعدوا أشكال التعبير والتنظيم التي تمكن الطبقات الشعبية من العمل على تحويل علاقات القوى الاجتماعية لصالحها. بات المجتمع المدني مجرد مجموعة من الجمعيات العقيمة التي تخلت عن مهـمة تغيير العالم واكتفت بالتأقلم مع متطلبات إعادة إنتاج النظام نفسه. يقول سمير أمين "قوى رأس المال المسيطر لا تقبل المجتمع المدني إلا بشرط عقم دوره، وبالتالي إمكان التلاعب به".
 
غير أنه من المنصف ملاحظة أن بعض المنظمات نجحت في انتزاع الاستقلال. كما استطاعت بعض النقابات أن تمارس نشاطاً سياسياً، رغم محاولات الدولة تحجيم نشاطها. كما أن بعض الجمعيات التي تبنت مدخلاً حقوقياً ودفاعياً، امتلكت القوة والاستقلال للمشاركة في الحراك السياسي الذي أدي إلي قيام الثورة. هذا ويسجل انبثاق العديد من الحركات الاحتجاجية شبه المنظمة المطالبة بالتغيير والاصلاح والديموقراطية وفي جميع الأحوال مارست مكونات المجتمع المدني عمليات التعبئة ورفع الوعي وتشجيع الناس على العمل الجماعي، بما يمكن القول معه، أن هذه الممارسات مهدت لاندلاع الثورات العربية.
 
دور المجتمع المدني في الربيع العربي: وجهات نظر
لم تتوفر لكاتب الورقة المعلومات الكافية عن مدى مساهـمات المجتمع المدني في الربيع العربي. غير أن المتابعة لسير الأحداث، ومراجعة بعض الكتابات والأبحاث، والاطلالة الواسعة على برامج ومشاريع الجمعيات الأهلية العربية، كل ذلك يمكننا من الحديث عن ثلاث نظريات/وجهات نظر حول مدى هذه المساهـمة وأشكالها: 
الأولى: وفحواها أن منظمات المجتمع المدني لعبت دوراً أساسياً في ربيع العرب، وإن كان بتفاوت من بلد لأخر طبقاً لدرجة تطوره. ومما لاشك فيه أن أصحاب هذا الرأي يتكئون على عدد من المؤشرات والدلائل العيانية، علاوة على منظورهـم الفكري الذي تعبر عنه المدرسة الليبرالية. ترى هذه المدرسة أن التشكيلات المدنية (المنظمات والجمعيات) تلعب دوراً في الحد من توغل الدولة. مهدت حركة المجتمع المدني من خلال برامج التدريب وورش العمل والأنشطة الثقافية والمعرفية والميدانية والإعلامية لعملية التغير الثوري وعملت على تهيئة الرأي العام باتجاه رفض القهر والاستغلال وتكميم الأفواه ومن أجل حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي والعمل الأهلي والنقابي والحزبي. وقد لاحظ د. عزمي بشارة، في معرض تحليله للثورة في تونس أن ثمة علاقة بين الثورة/أي التوق للحرية والتخلص من الاستبداد وبين درجة تطور المجتمع المدني. ومن الواضح أن جدلية العلاقة بين النضال السياسي والاجتماعي في مسيرة أعرق منظمة اجتماعية في تونس (الاتحاد العام التونسي للشغل)، تبدت بصورة جلية في ربيع تونس الذي أفضى إلى سقوط زين العابدين بن علي. يفترض أصحاب هذه النظرية أن المجتمع المدني سيلعب دوراً أكبر في مرحلة ما بعد الثورة، وتحديداً في قضايا إعادة التوازن السياسي، وبناء الاجماع (عقد اجتماعي جديد)، وفي إحقاق العدالة الانتقالية. ويضيفون أن الثورة فتحت الباب على مصراعيه لدخول الصراع بين الدولة والمجتمع المدني مرحلة جديدة، وهي مرحلة التحول الديموقراطي.  
 
الثانية: وهي وجهة نظر راديكالية، لا تنفي أي دور إيجابي للمجتمع المدني في الربيع فحسب، بل وتذهب حد اتهامه بالعمل لمصلحة القوى الخارجية. تتأسس هذه النظرية فكرياً على المدرسة الماركسية الكلاسيكية التي ترى في التشكيلات المدنية (المجتمع المدني) مجرد مؤسسات رأسمالية وبالتالي أدوات طيعة في يد الدولة (وقوى النظام الرأسمالي العالمي) تستخدمها لامتصاص الحنق المجتمعي وتكريس السيطرة الاقتصادية. كما تستند في زعمها إلى مجموعة من الشواهد، كتدفق الأموال، وتلقي التدريب في دوائر غربية أو برعايتها وطبقاً لمقارباتها ومنظوراتها وغير ذلك. يقول عادل سمارة "نخبة المجتمع المدني مدجنة، محرفة لنظرية غرامشي، ليس لها مساهـمة في التحرر الوطني وهي أداة تخريب وتطويع في يد الغرب الرأسمالي"، أما الكاتب الإسلامي المعروف، فهـمي هويدي، فيتهـم المنظمات بأنها أصبحت تؤدي دور المستشرقين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لإنجاح التحكم في الشعوب. غير أن بعض المراقبين يخفف من حدة النقد، ويسلم بالدور الإصلاحي لهذه المنظمات، ولكن على أسس ومبادئ ليبرالية وفي نطاق النظام الرأسمالي العالمي.
 
وهناك من يرى أن المجتمع المدني لعب دوراً هامشياً في الربيع العربي لأسباب أخرى، فالثورة تجاوزت في زخمها وفعلها وأهدافها، أنماط الحركات الاجتماعية التقليدية (الهتافات ومضمونها، أشكال التنظيم، الفعاليات الجماهيرية، غياب القيادة المركزية الموجهة، ابتداع أشكال جديدة للتواصل والتعبئة). ويرى كاتب تركي أن العالم العربي، لأسباب عديدة (الافتقار للمؤسسة وضعف قطاع الأعمال)، لم يعرف المؤسسات الوسيطة بين الفرد والدولة، وبالتالي فالشروط الممهدة للديموقراطية غير مكتملة. إلى ذلك، يرى آخرون أن الجمعيات التقليدية لم يعد لها دور يذكر، إذ عوضتها المدونات الشخصية والشبكات الاجتماعية على الأنترنت. كما انتظمت تعبئة المجتمع المدني بناء على أشكال تضامن جماعية، عائلية، قبلية، في الأحياء، في أوساط الجمعيات والمؤسسات المهنية، تمت التعبئة أيضا بناء على المجموعات التقليدية أو العصرية.
الثالثة:
تقر بالدور الذي لعبته منظمات المجتمع المدني التقليدية (التعبئة الاجتماعية، الدعم اللوجستي، التمكين وبناء الوعي، التنظيم، رصد الانتهاكات ونقد السلطة،..)، غير أن أصحاب هذا الرأي يسلمون ببعض المثالب والسلبيات، وخصوصاً الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي، نضوب الجذور الجماهيرية والطوعية وبالتالي ضعف المشاركة من قبل الجمهور، الافتقار للديموقراطية الداخلية، الاندراج بصورة أو بأخرى في نسق المعرفة والممارسة الذي تفرضه قوى العولمة ومؤسسات النظام الرأسمالي العالمي، القرب من الدولة/النظام الحاكم والعمل ضمن قواعده ومحدداته. ومن ناحية أخرى، يقر هؤلاء بأن استمرار دور المجتمع المدني، بعيد الربيع العربي، منوط بمدى قدرته على استلهام الدروس وإحداث التغيرات المطلوبة ووعي التحديات الجدية والجديدة. تدلل الشواهد والتجارب المختلفة، أنه بالرغم من كل المثالب والنواقص المذكورة، فقد شكل المجتمع المدني في تونس ومصر واليمن وفلسطين وغيرها من البلدان، نقيضاً نظرياً وعملياً في الكثير من الأحيان، للمجتمع الثيوقراطي، والمجتمع الشمولي الاستبدادي، والمجتمع القبلي أو الطائفي. وإذا كانت الثورة أعادت الاعتبار للحياة السياسة ولدور الأحزاب السياسية، غير أنها أكدت مدى الحاجة للمنظمات الوسيطة، ولأشكال التنظيم الاجتماعي الطوعي كقنوات للتعبئة والتعبير عن المشاعر والقضايا المشتركة، وأداة لمساءلة السلطة والتمرين على الديموقراطية واستنفار الطاقات المجتمعية المكبوتة وتعبئتها على أساس غايات وأهداف مشتركة.
وإذا كانت تكنولوجيا المعلومات والمنتجات المادية والرمزية الأخرى مرتبطة بالنظام الرأسمالي، وهي تستخدم بالتأكيد، لضمان إدامته وإعادة إنتاج هيمنته، غير أن الطبقات والفئات الفقيرة والمحرومة والمهـمشة ونخبها المثقفة والعضوية استطاعت أن تستخدم هذه المنتجات ذاتها في محاربة الرأسمالية والعولمة المتوحشة. وإذا كان ثمة مجتمع مدني رأسمالي أو يخدم أهداف الرأسمالية، فثمة بالضرورة، طبقاً لنظرية غرامشي حول الهيمنة، مجتمع مدني معارض وناقد وطارح للبديل. بعض المنظمات عمل ويعمل في سياق الاقصاء المتبادل مع الدولة، وباستقلال نسبي عنها وعن دوائر السيطرة والتحكم العالمية، ومن ذلك المنظمات الإسلامية على سبيل المثال، أو الحركات المناهضة للعولمة، أو منظمات الفقراء والمعبرة عن تطلعاتهـم والممثلة لطموحاتهـم أو المقدمة الخدمة لهـم. والتجربة الفلسطينية، خير دليل على ذلك، فقد ساهـمت المنظمات الأهلية والحركات الطوعية في نشأة ما سمي بمجتمع الانتفاضة، حيث الحماية الشعبية للتنمية المقاومة، الاقتصاد المنزلي والاعتماد على الذات، التعبئة الاجتماعية وغير ذلك. كما تثبت التجربة أن تدفق الأموال من الخارج، قد يثير الشبهات ويحد من الاستقلالية، ويتحكم في توجيه الفعل الاجتماعي، إلا أن النتائج ليست بالضرورة تأتي وفقاً لمخططات القائمين على الدعم والتوجيه، فمثلما كان التعليم والنزوع نحو الحرية وتمثل قيم الحداثة من نتائج البعثات التبشرية التي هدفت أساساً إلى إخضاع الشعوب ودمجها ضمن منظومة الاستعمار والرأسمال العالمي، كان الانخراط الواسع لنشطاء العمل الأهلي في فعاليات الربيع العربي مسلحين بالوعي والحس المدني والقدرة على الحشد وبناء التحالفات والتواصل عبر فضاءات لا تتحكم فيها أدوات الأمن.  
في كل الأحوال، ومهـما تباينت وجهات النظر عن مدى مساهـمة المجتمع المدني في الربيع العربي، إلا أن ثمة قناعة تتزايد يومياً، أن وجود هذا المجتمع، يشكل حاجة ضرورية لضمان الانتقال السلمي من حالة الفوضى والتفكيك إلى مرحلة استعادة التوزان والتجانس. وإذا كان إسقاط السلطة القائمة عبر عن وعي الشعب بذاته ككيان جماعي وعن حاجته لصياغة عقد اجتماعي جديد يؤسس لنظام حكم يستمد شرعيته من الإرادة العامة، مما يضمن له القوة والتوازن، فإن وجود المجتمع المدني ضرورة، أولاً، لضمان إستعادة توزان العلاقة بين عناصر الوحدة الاجتماعية وهي تعيد تشكلها (فرد/مجتمع/دولة)، ثانياً، للتقليل من التأثيرات السلبية للتحول وتأمين التعبئة والحشد والضغط لانجاز مهـمات الثورة، ثالثاً، كي لا تصل عمليات التفكيك الجارية إلى البنى العضوية والقبلية (عشائرية، جهوية، طائفية)
 
ما بعد الربيع:
التحدي:
تتمثل التحديات الأبرز ما بعد الثورة، مع التفاوت النسبي بين البلدان، أولاً في إعادة تعيين دور الجيش، الذي إما يشكل دولة داخل الدولة، وإما أداة في يد النظام الحاكم، ودائماً يمثل تهديداً جدياً للنزوع نحو الديموقراطية وبناء الدولة المدنية. ثانياً، إدماج الحركات الإسلامية في الحياة السياسية العامة للمجتمع، وبالتالي الخروج من "مجتمعاتها المضادة" وقبولها بتحديد قواعد جديدة للنظام. ثالثاً، تحقيق النمو الاقتصادي الشامل الذي يتضمن مبادئ ومعايير العدالة وحقوق الإنسان، وتحقيق أبعاد الرفاه الاجتماعي والتنمية البشرية، يخلق فرص عمل ويؤمن الحماية الاجتماعية ويكافح الفقر والتفاوت. رابعاً، تجديد النخب مع تجاوز نخب الأنظمة الاستبدادية، بما يحافظ على المكتسبات الثقافية ويعززها، ويقطع الطريق على إعادة الاستبداد، أو بزوغ نمط جديد منه، وخصوصاً مع نجاح الحركات الاسلامية في أكثر من مكان ووصولها إلى الحكم.
 
الاستجابة:
في مواجهة هذه التحديات، وغيرها، يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تسهـم في: تقديم بدائل (تصورات ومقاربات) في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تجنب التوظيف الأيدولوجي والدعوي من قبل القوى السياسية المتنافسة وضمان عقلانية الحوار والتنافس ضمن النظام التعددي والتشاركي، المساهـمة في تطوير آليات العمل للمساهـمة بفعالية في مراقبة أداء الحكومات الانتقالية، التنبيه الى مخاطر المس بحقوق الانسان وملاحقة المخالفين، الانتصار لقضايا وحقوق الأطراف الضعيفة في المشاركة والحصول على الخدمات والحماية، المساهـمة في وضع تشريعات ديمقراطية جديدة تضمن حرية تكوين منظمات المجتمع المدني، بعيدا عن قيود المرحلة السابقة التي عرقلت نمو المجتمع المدني وحرمته من النمو الطبيعي، وأخضعته لآليات الدولة المحتكرة للفضاء العام.
شروط الاستجابة الفعالة:
إن قدرة المجتمع المدني على الاضطلاع بهذا الدور مرهونة برد الاعتبار لمفهوم المواطنة، وسد المنافذ أمام كافة أشكال الاختراق الخارجي تحت أي ستار، والمواءمة بين ما هو دعوي وما هو سياسي، وبعدم ترك المجال الاجتماعي والعمل المباشر مع الناس حتى من خلال التزويد بالخدمات، رفض أي نشاط أو برنامج من شأنه أن يزيد من حدة التشرذم والاستقطاب داخل المجتمع، إبداء قدر كبير من التجاوب والالتزام مع متطلبات الديمقراطية، والتخلي عن الميول النخبوية، والدخول في ممارسات ديمقراطية داخلية حقيقية. وفي جميع الأحوال، تأكيد الفعالية السياسية، أي كل ما يمكن مكونات المجتمع المدني من تبني إستراتيجيات تسهـم في تعديل علاقات القوى الاجتماعية في مجرى النضال السياسي والاجتماعي مع، أو ضد الأحزاب السياسية، ومع النقابات والمنظمات التي تناضل من أجل الديموقراطية، أو حقوق الإنسان ومنظمات العمال والنساء. والمطالبة بالديموقراطية بجميع أبعادها هي القلب المحرك لهذه الاستراتيجيات. المطالبة بالديموقراطية لا يعني فقط تعليمها والتدريب عليها (يمكن أن تنفذ قوى النظام من هذه النافذة)، بل وعبر الضغط من أجل العدالة والمساواة، امتلاك الوعي والنفوذ للتأثير على السياسات العامة بنقدها وتعديلها، وعبر تقديم الخدمات بطريقة تعزز الاعتماد على الذات وتمكين الفئات المهـمشة والضعيفة وتوسيع الخيارات والفرص والمشاركة في القرارات.
 
مرحلة سياسية جديدة:  
نحن إزاء مرحلة سياسية جديدة في العالم العربي، بغض النظر عن الانتكاسات والمعيقات، أو حتى تأخر وصول بشائر المرحلة إلى بعض البلدان، والسمة الرئيسة هي التحول إلى الدّيموقراطية. وليس من المستبعد تبلور حركة مدنية واسعة من بين صفوف حركة الشباب المنخرطين في النضال من أجل التغيير الديموقراطي. وهي مرحلة الأحزاب السياسية بامتياز، لكنها أيضاً مرحلة انبثاق المواطن الرقمي والتنسيقيات وشبكات التواصل وسلطتها الرمزية، ولذلك هي مرحلة ستشهد بالضرورة إعادة الاعتبار لمنظمات المجتمع المدني، إذ ستزداد الحاجة لعمليات التعبئة والتعليم وبناء التحالفات، للتدريب على الانتخابات ومجمل العملية الديموقراطية، لتبني وإقرار رؤى وسياسات تنموية ملائمة، إعادة الاعتبار للسلم المجتمعي وتكريس التسامح وإحقاق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية (في ضوء انتهاكات فظيعة طوال عقود)، مراقبة أداء الحكام الجدد ومساءلتهـم. لا يمكن تصور نجاح عمليات إستعادة التوزان السياسي (الحوار، التفاوض، التعاقد)، وبناء الاجماع (الديموقراطية، التسامح، احترام التعدد)، والتنمية (النمو، مكافحة الفقر والتفاوت، تعزيز الرفاه الاجتماعي) دون مساهـمات جادة من قبل المجتمع المدني.
انبثاق ملامح مجتمع مدني بديل:
لقد منح الخروج إلى الشارع في مليونيات منتظمة أو حشد جماعي غير مسبوق والالتزام إلى الحد الأقصى بالسلمية وعدم الانجرار وراء محاولات الأنظمة، كما هو الحال في اليمن، كل سمات الفعل السياسي المدني، الموسوم بالجرأة والشجاعة، ومنحت العمل السياسي المناهض للاستبداد، أفقا للتحرك الهادف إلى الدفع بمشروع الإصلاح السياسي، إلى حدوده القصوى. وفي قلب هذا الأفق، انتصب فاعلون جدد، يقودهـم الشباب لمعانقة دروب الحرية، ومسالكها الوعرة، وأبوابها التي يتطلع إليها الجميع.
يقول سمير أمين أن الأشكال التقليدية للنضال الاجتماعي التي كانت تحدث في مكان العمل المحدد لم تعد تهـم أكثر من نصف السكان، وهي تفقد فعاليتها، وبالتالي مصداقيتها. بالمقابل يقال إن الهياكل الاجتماعية الجديدة تضع مكان السكن أي الحي في مركز عمليات التعبئة الجماهيرية. هنا يمكن إضافة أهـمية منظور العالم المعاش، أي عالم الفقراء اليومي، وانخراطهـم في الشبكات الاجتماعية المحيطة والقريبة على أساس القرابة أو الجوار. يكشف مفهوم "الريزوم"عن خصوصية الواقع المحلي من حيث تعدد المبادرات النابعة من أسفل وتحالفاتها الشبكية، مما كان له دور بالغ في الثورة وخصوصاً في مصر. تتسم الشبكات الريزومية بما يلي: التنوع الشديد في الشكل وأسلوب الحركة، القدرة الهائلة على التواصل، توليد مجتمعات صغيرة متعددة ومتنوعة تحوّلت إلى مراكزَ جديدة مناوئة للسلطة وتمارس ضغوطاً شديدة عليها. هذا وتعتبر التنسيقيات في سوريا، ولجان الحماية الشعبية في مصر، والمبادرات الشبابية في فلسطين، نماذج للفعل المدني في المستقبل، إذ بات بمقدوره أن يتجاوز العلاقات الشخصية في تعامله مع المنظمات الخاصة أو العامة، لينتقل إلى التعاقد في فضاء عام، وبوصفه مواطناً حراً، طبقاً لاختياراته وطموحاته وحاجاته ومشاعره مع آخرين يشتركون معه في واحدة أو أكثر من هذه الاختيارات والطموحات والحاجات على أساس طوعي وحر.
 
نحو مجتمع مدني عربي موحد:
يرى البعض أن أحد أهـم ملامح الربيع العربي يتمثل في كسر "الوعي القطري" وتشكيل وعي جمعي عربي يتبنى ذات المطالب والمفردات، ينزع نحو الديموقراطية ورفض الاستبداد. وإذا كان الخارج يلقي بثقله للتأثير في اتجاهات الثورة العربية، بما في ذلك إعادة تشكيل كيانات صغرى أو كبرى، بما يتلاءم ومصالحه، فمن الضروري لقوى الثورة العربية أن تستغل هذه الفرصة التاريخية في إعادة الاعتبار لفكرة الوحدة أو توليد اتحاد على أسس جديدة تعزز من فرص عودة العرب إلى خارطة القوى الدولية، وتفتح مسارات واعدة لازدهارهـم وتطورهـم بالاستناد إلى مخزونهـم من الطاقات والموارد الهائلة. كما أن صعود الحركات الإسلامية في أكثر من بلد عبر الانتخابات، يعزز من الاتجاه التوحيدي، ويطرح من ناحية ثانية تحدياً حقيقياً أمام باقي القوى الليبرالية واليسارية والقومية، يتمثل في إعطاء الفرصة للقوى الإسلامية كي تحكم نتيجة فوزها في الانتخابات، وفي ذات الوقت إجبارها على الدخول في بناء عقد اجتماعي يؤسس لدولة المؤسسات والقانون والحريات، أي دولة مدنية حقيقية. وفي ذات السياق، شكل سقوط بعض أنظمة القهر والعزل فرصة لانبثاق أحوزة عامة متشابهة وتتجاوز حدود الدول القطرية والبوليسية، ويعزز من هذه الفرصة الفضاء المواز الذي خلقته تكنولوجيا المعلومات، والمعاناة الطويلة والمشتركة (أسباباً ومظاهر). إن مما لاشك فيه، أن تنظيمات المجتمع المدني هي الأقدر والأسرع في التقاط الفرصة السانحة لبناء وتطوير حالة من التضامن الإقليمي/العربي لحماية التغيير من قوى الثورة المضادة في الداخل، ومن تأثير الخارج وتحكمه في تحديد وتائره واتجاهاته وغاياته، وهي الأقدر على مراقبة أداء الحكومات المنتخبة أو الانتقالية ونقد سياساتها وممارساتها والحكم على مدى التزامها بأهداف الثورة وقيمها، وهي الأقدر على التصدي لمحاولات فرض سياسات واختيارات اقتصادية واجتماعية لا تلبي الحاجة لإحداث تغيير حقيقي في العلاقات الاجتماعية لصالح الفقراء والطبقات الشعبية والمهـمشين. تستند فكرة المجتمع المدني العربي الموحد، فوق كل ما ذكرنا، إلى تاريخ مشترك من العمل والتشبيك والتواصل وتبادل الخبرات، وجود شبكات عربية وبرامج موحدة، وأطر بحثية عربية ونخب عابرة للقطريات. غير أن التعاطي مع ما يسمى بالمجتمع المدني الإسلامي، أو الجمعيات الاسلامية يشكل أحد أبرز التحديات في هذا الاتجاه.  
الجمعيات الأهلية الإسلامية:
قدم سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل محاولة لتأصيل مفهوم المجتمع المدني في سياق الخبرة الإسلامية، معتمداً على رد هذا المفهوم في سياق خبرته التاريخية إلى مجموعة ظواهر وعدد من الشروط (ترجمة المفهوم الى جوهر يتعلق بالظواهر المرتبطة به، والشروط الخاصة به)، وهو يرى أن هذه الظواهر والشروط (جوهر المفهوم) يمكن إيجادها ضمن عناصر منظومة المفاهيم الإسلامية، في سياق الخبرة والفكر الإسلاميين، ويقترح مفهوم "مؤسسات الأمة" التي تتمايز عن مؤسسات السلطة، ويذكر بعض التأسيسات النظرية التي تشكل مدخلاً لتوضيح فكرة "مؤسسات الأمة". وبالرغم مما تتحلى به هذه المحاولة لمقاربة مفهوم المجتمع المدني في سياق الخبرة الإسلامية، من جرأة، الا أنها تعاني من مغالطات منهجية عديدة، ليس أقلها الاختلاف بين مفهومي "المجتمع المدني" و"الأمة"
 
تتمثل المصادر الأساسية المحفزة لنشأة قطاع المنظمات الأهلية وتطوره في الأديان السماوية والمبادئ والفلسفات المستمدة منها، واذا كان الدين، ومازال، قد لعب دوراً أساسياً في حفز العمل الخيري والتطوعي في أغلب مناطق العالم، الا أنه اتسم ببعض الخصوصية في العالم العربي، نظراً للأهـمية التي يحتلها المكون الديني في الثقافة السائدة.
 
يحفز الإسلام العطاء والتطوع لمساعدة الغير، من خلال أركان ومبادئ أساسية من أهـمها الزكاة (ركن أساسي من أركان الإسلام)، والصدقة التي ورد ذكرها أكثر من ثلاثين مرة في القرآن الكريم، الهدف من ذلك الحث على مساعدة الآخرين بالمال والجهد وكافة صور وأشكال الدعم الأخرى.
 
ومن المعروف تاريخياً، ان المساجد قد لعبت دوراً مهـماً – قبل نشأة الجمعيات الأهلية – في ترجمة فلسفة التكامل الاجتماعي، فالمسجد لم يكن مجرد مكان للصلاة والعبادة، ولكنه كان مؤسسة تعليمية وثقافية واجتماعية، يقوم عليها متطوعون من العلماء ورجال الدين، ومن أبرز نماذج ذلك "الزوايا" و"الكتاتيب" في مصر. كان المسجد، اذن، يلعب دوراً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً حيث تناقش أمور السياسة والحكم.
 
شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في الوزن السياسي للحركة الإسلامية انعكس في ديناميات الربيع العربي ومآلاته الحالية والمحتملة. اتسمت الحركة بالطابع التطوري التدريجي، واشتملت استراتيجياتها على دينامية العمل الجمعياتي، حيث ارتبط ميلاد معظم الجمعيات الأهلية في الاقطار العربية في القرن العشرين بالسمة الدينية (مسيحية وإسلامية)، واستمر الملمح الديني لنشاط جانب كبير من القطاع الأهلي حتى الآن في المنطقة العربية ككل.
 
الجمعيات الإسلامية وشروط الفعالية السياسية:
من المؤكد أن هذه المنظمات المحسوبة على الاتجاه الاسلامي قد تميزت بالفعالية السياسية، نظراً لقدراتها على مواجهة مشكلتين أساسيتين: التمويل والتطوع. ثمة تفاعل ملحوظ بين الحركة الإسلامية في أغلب الأقطار العربية، وبين الجمعيات الأهلية، حيث تمثل هذه الجمعيات قناة اتصال مع القاعدة العريضة من المجتمع وحيث تقوم بتلبية الاحتياجات الأساسية لها من خلال نظم مساعدة الفقراء وتقديم خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية، يمكن التمييز بين ثلاثة وظائف تضطلع بها المنظمات في هذا السياق، طبقاً لدراسة د. أماني قنديل: الوظيفة الأولى تقديم نظام ضمان اجتماعي بديل (مصر)، الوظيفة الثانية القيام بالدور السياسي الاجتماعي معاً (تونس)، الوظيفة الثالثة تعبئة المؤيدين وتمهيد المناخ للانتقال من مرحلة العمل الاجتماعي إلى العمل السياسي. وتسهل ملاحظة أن هذه الوظائف كانت بمثابة أطوار تمر بها الجمعيات الأهلية الإسلامية نحو الهدف الحقيقي الذي تسعى إليه الحركات السياسية الإسلامية وهو الوصول إلى السلطة.
 
تزايد نفوذ وعدد الجمعيات الأهلية الإسلامية في مصر لأسباب عديدة أهـمها: الدور المحوري للمكون الديني في ثقافة المجتمع المصري، إمكانات التمويل الذاتي، تراجع دور الدولة المصرية في مجال تقديم الخدمات للفئات الفقيرة والمحتاجة والنائية، القدرة على الحشد والتعبئة للمؤيدين والمتطوعين باستخدام الشعارات الإسلامية، تراكم الخبرة التاريخية والعملية لهذه الجمعيات منذ منتصف القرن التاسع عشر.
 
تثبت تجربة الحركات السياسية الإسلامية في مصر، أن هذه الحركات، وخاصة المعتدلة منها تمتلك طاقات كبيرة كامنة تمكنها ليس فقط، من الاستمرار والبقاء، بل وتحقيق النجاحات الملموسة في التغلغل الى المجتمع المصري وقضاياه والتأثير في مجمل الحالة المصرية، يساعدها في ذلك التوظيف الأيديولوجي للشعار الديني في مناخ يلعب فيه المكون الديني دوراً مؤثراً في الثقافة السائدة، بالاضافة الى ضعف الحركات والتيارات الفكرية والسياسية الأخرى في الساحة المصرية، وهذا ما تبدى، على أي حال، في نتائج انتخابات مجلس الشعب المصري.
 
مفهوم "المجتمع المدني" هو مفهوم إشكالي، ولا توجد لدى الحركات السياسية الإسلامية قراءة جادة له، لانها لا تهدف لإعادة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، فكل ما كانت تحرص عليه في هذه المضمار هو معارضة السلطة من خلال المشاركة ضمن القنوات الشرعية المتاحة و"قواعد اللعبة" المسموح بها، وقد وجدت في انخراطها في المؤسسات والنقابات "عضوية وإدارة" فرصة سانحة للتعبير عن تصوراتها وآرائها المختلفة، ومدخلاً لخطابها الجماهيري لاكتساب الأنصار والمؤيدين لها، وصولاً إلى السلطة.
 
يقول فرانسوا بورجا أن وظيفة الإسلام السياسي لا تنحصر في إعادة الصلة بالتراث، إذ يتزايد استخدامه وسيلة للتعبير ليس عن الاحباطات الخاصة بالهوية فحسب، بل للتعبير أيضاً وبطريقة أوسع عن الاحباطات الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية لدى الطبقات الوسطى التي تعاني من سلطة الحاكم كما تعاني من الفشل الناجم عن السياسات الاقتصادية. ويضيف برهان غليون أن هذه الحركات تتبنى أهدافاً تقع في صلب الصراع الاجتماعي، أي التحكم في سلطة الدولة وتوزيع الثروة والسياسات الثقافية المتعلقة بتحديد الهوية ومن ورائها بالخيارات الاستراتيجية ونمط القيم السائدة، والسياسات الوطنية والحريات العامة وغيرها. وهي، بناء على ذلك، حركات معارضة بالمعنى الحديث للكلمة، يوفر لها الربيع العربي فرصة الانتقال إلى مواقع السيطرة والتحكم. إن من شأن المستقبل أن يكشف إلى أى مدى تملك هذه الحركات قدرة على إدارة الدولة والمجتمع بطريقة تختلف عن الأنظمة التسلطية السابقة. ولعل في قراءة تجربة حركة حماس في قطاع غزة ما يعطي مؤشرات أولى، كما سنبين لاحقاً. 
ربيع فلسطين: بين الإزهار المعجل والإثمار المؤجل!
تمهيد:
في سياق الصراع الدامي ضد الحركة الصهيونية على أرض فلسطين، شهد نضال الجماهير الفلسطينية أكثر من ربيع رغم الشتاء الطويل. ففي أعقاب النكبة ورداً عليها تمكن الفلسطينيون من استعادة وحدتهـم السياسية رغم شتاتهـم، وخاضوا غمار الكفاح حتى انتزعوا اعتراف العالم بهـم بوصفهـم كذلك وبحقوقهـم وبممثل شرعي ووحيد لهـم. وفي أعقاب حرب حزيران عام 1967، ورداً علي نتائجها، واصل الفلسطينيون حمل راية الكفاح وتمكنوا في غضون عقدين من إعادة بناء مجتمع الضفة الغربية وقطاع غزة على النحو الذي جسده ما سمي بمجتمع الانتفاضة (مجتمع سياسي، تكافل اجتماعي، اقتصاد يقوم على الاعتماد على الذات والحماية الشعبية،...). ورداً على سقوط الرهان على مسيرة التسوية ومماطلة حكومات الاحتلال ومواصلتها فرض الوقائع على الأرض بما يجحف بفرص قيام دولة كاملة السيادة في حدود الرابع من حزيران، اندلعت المواجهة الكبرى عام 2000 فيما سمي بالانتفاضة الثانية. وفي كل مرة، وبالرغم من جسامة التضحيات، لم يكن مقدراً لربيع الفلسطينيين أن يثمر بدحر الاحتلال ونيل الاستقلال، ليعودوا مرة أخرى للمحاولة دون يأس أو قعود.
ولذلك، تفترض هذه الورقة أن ربيع الفلسطينيين الثالث قد أزهر قبل ربيع العرب بحوالي عقد من الزمن أو نحو ذلك. وإذا كان ربيع العرب قد أثمر أو يمكن أن يثمر عما قريب، فمن شأن ذلك، أن يعزز من فرص نجاح ربيع الفلسطينيين ويعجل من يوم استقلالهـم ونيل حقوقهـم. وعليه، تمثل قراءة التجربة الفلسطينية خلال هذا العقد، بالرغم من الخصوصية، ضرورة قصوى لفهـم ديناميات الربيع العربي واستخلاص العبر والدروس النافعة لضمان إحداث التغيير المنشود.
 
الحراك الشبابي الفلسطيني:
شكل الشباب الفلسطيني عماد المواجهة مع المشروع الصهيوني في منعطفاتها الرئيسة، وهو ما لا يتعارض مع طبائع الأشياء، فحيثما تكون القضايا كبرى أو مصيرية أو جامعة، يكون الشباب بالضرورة. ولأن المجتمع الفلسطيني قيد التشكل وإعادة التشكل في أتون هذا الصراع الدامي وطويل الأمد، فالكتلة التاريخية الحاملة لمشروع الفلسطينيين في مواجهة الاحلال والاستيطان، لم تكن طبقة اجتماعية بعينها، بل مجموع الشعب، ولأن الأمر كذلك فالشباب هـم من ينوب عنه في الملمات الكبرى أو الفزعات التي تتطلب سرعة الحركة والرد، في الحروب والانتفاضات كما في عمليات البناء وأعمال الغوث والمساعدة. اجترح الجيل الأول معجزة الكفاح المسلح وبعث الشخصية الوطنية، أما الجيل الثاني قدم نموذج النضال الجماهيري، عبر الهيئات والحركات والمنظمات الأهلية والطوعية والنقابية والطلابية والنسوية، تجسد في مجتمع الانتفاضة الأولى وما تلاها من بلورة ما سمي بمنظمات المجتمع المدني التي اضطلعت بأدوار مختلفة في إطار عملية التحرر والبناء والتحول الديموقراطي. تزامن صعود الجيل الثالث من الشباب الفلسطيني مع وصول المشروع الوطني إلى طريق مسدود، ولذلك، يكمن التحدي الرئيس في مدى قدرة هذا الجيل على انتزاع زمام المبادرة لقيادة المشروع الوطني التحرري والمجتمع واخراجه من الطريق المسدود وصولاً إلى تحقيق غاياته.
 
(1) في غضون العقدين المنصرمين، بالتزامن مع وصول الانتفاضة الأولى إلى نهاياتها، تعرضت التجربة الكفاحية والكيانية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى ضربة موجعة: التدمير المنهجي للبنى والهياكل، الفصل الجغرافي، الانقسام والاستقطاب السياسي. وجد الجيل الثالث من الشباب نفسه أسيراً لمنظومة العزل من ناحية، ولمنظومة الاستقطاب الداخلي من ناحية ثانية، فلم يتمكن من انتزاع زمام المبادرة في قيادة المشروع الوطني والمجتمعي في طوره الجديد. اتسمت حركة الشباب في هذه الفترة بالتكيف مع المنظومتين وتداعايتهـما، وبالرهان على الاندراج ضمن بنية النظام القائم دون إحداث تغيير جدي وهو ما سهل على القوى المتنفذة في النظام توظيف هؤلاء الشباب لأغراضها وطبقاً لأجنداتها، ولم يعد ثمة قضية مشتركة أو عامة للشباب في هذا الطور من الصراع. واللافت أن منظمات المجتمع المدني باتت في هذه الحقبة جزءاً من النظام، تارة بسبب احتواء السلطة وتارة بسبب تحولها إلى مقاولات تعمل بالباطن لحساب أجندات التمويل الخارجي.
 
(2) مع احتدام الصراع على الجبهتين الداخلية (الفلتان والانقسام) والخارجية (مع الاحتلال)، واكتواء الشباب تحديداً بنتائج هذا الصراع، بدا أن ديناميتي التكيف والاندراج تفشلان في قمع أو احتواء مظاهر وتعبيرات التمرد في صفوفهـم. المظهر الأول تمثل في انخراطهـم الواسع في فعاليات الانتفاضة الثانية، المظهر الثاني تجسد في النزوع الواضح للانخراط في فعاليات المجتمع المدني والأهلي، المظهر الثالث، أخذ شكل انبثاق حركات احتجاجية صغرى أو محدودة تمحورت حول قضية مشتركة للشباب، المظهر الرابع لوحظ بشكل كبير في أوساط الشباب الباحث عن بدائل في السياسة والاقتصاد وأنماط الاجتماع والتواصل، المظهر الخامس جسدته تشكيلات شبه منظمة (مدنية وعسكرية) بأهداف واضحة. لا يمكن إغفال حقيقة أن الميل نحو العنف والتطرف عند قطاع واسع من الشباب، والانكفاء على الذات والانسحاب من الحياة العامة عند قطاع آخر، شكلا المظهر الرئيس لحركة الجيل الثالث.
 
(3) شكل 15 أذار علامة فارقة: أولاً، من حيث اعتباره الحدث الذروة في حركة الشباب منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، وبوصفه نتاج عملية تراكمية. ثانياً، من حيث أزاح عن واجهة المشهد الشبابي اتجاه العنف والتطرف من ناحية واتجاه الانكفاء والعزلة من ناحية ثانية. ثالثاً، من حيث أسس لإمكانية حقيقية لأول مرة أن يضطلع الشباب بدورهـم التاريخي في تحمل مسؤولية إعادة الاعتبار لمضامين المشروع الوطني والمجتمعي وقيادته، بعد أن كادت تذوي-هذه المضامين- في زحمة الانقسام واستغوال الاحتلال على الأرض. وبالرغم من استلهام دروس الربيع العربي وأنماطه المتعددة (تجربة تونس ومصر وبعض من تجربة ليبيا وسوريا واليمن)، غير أن 15 أذار 2011 لم يكن ربيعاً فلسطينياً (حدثت الانعطافة الكبرى داخل النظام الفلسطيني قبل ذلك بسنوات، كما أن الصراع مع الاحتلال أخذ منحى آخر). وإنما محاولة لإعادة تصحيح المسار وتأكيد ريادة الشباب والاجهاز على مخلفات النظام القديم، ستتلوها بالضرورة محاولات أخرى. لم يكن مقدراً لمحاولة أذار أن تحقق كل ذلك فوراً. يمكن رؤية هذا الحدث السريع، المفعم بالدلالات باعتباره نقطة فاصلة بين زمنين: زمن الاستلاب وزمن الرهان على المستقبل، زمن الاستقطاب وزمن السعي نحو استعادة الوحدة، زمن التكيف وزمن التمرد. فبحراكهـم وبخروجهـم عن الصمت، دشنوا بدايات وارهاصات في اتجاه الخروج من المأزق: أعادوا الاعتبار لفكرة التعبئة الشعبية، أسقطوا مجموعة كبيرة من الأوهام التي رافقت الانقسام وبررته، أعلنوا عن رفضهـم الواضح لبقاء الحال على ما هو عليه، قدموا تصورات أولى لما يجب القيام به، وخصوصاً دعوتهـم لتغيير نمط العلاقة وليس ازاحة قوى بعينها، إذ لم يستهدف الحراك اسقاط نظام وإنما إعادة بناء نظام يشمل الجميع على أسس ديموقراطية.
 
(4) في خروجهـم الكبير يوم 15 أذار وقف لهـم النظام القديم/الجديد بالمرصاد ولم يتردد في بذل محاولات الاحتواء والقمع والاجهاض. غير أنه مع الوقت راح يتكيف مع واقع بات الشباب يشكل أبرز دينامياته وستعبر جدلية التكيف والتمرد عن ذاتها مرة أخرى حتى يتمكن هذا الجيل من انتزاع زمام المبادرة ويتغلب على قوى النظام التقليدية. اتسم موقف الأطراف الأخرى (التنظيمات السياسية، قيادة السلطة ونخبها هنا وهناك، نخب المنظمات الأهلية) بالحذر والريبة والسلبية على وجه العموم، حتى وإن جرت التغطية على ذلك بلغة دبلوماسية مراوغة أو بسلوك سياسي تحايلي. هذه هي القوى التي تبلور الحراك ضدها: فهي المسؤولة-من وجهة نظر الشباب- عن وصول المشروع الوطني إلى طريق مسدود، ومسؤولة عن الانقسام، وعن تردي أوضاعهـم وهي التي تقف حجر عثرة في طريق تطورهـم واضطلاعهـم بقيادة المشروع الوطني في طوره الجديد. واجهت قوى النظام حركة الشباب  بالتشويه والتشكيك في القدرات والنوايا، وبركوب بعض الجهات الموجة العالية، اختراق الصفوف ومحاولة التأثير في مجرى العملية (تقديم الوعود وشراء الذمم، الترهيب والترغيب)، تحميل المبادرة شعارات أكبر من طاقتها وأقل من طموحاتها، جعل الحراك قضية خلافية تندرج في سياق الاستقطاب، إجهاض التحرك بوقف تدحرجه وتوسعه وتراكمه، وبالتحكم في دينامياته ومآلاته، الاتهام بالتواطؤ مع الخارج.
 
(5) إذا كان من المشروع النظر إلي الشباب بوصفهـم فئة اجتماعية، فمن الضروري الانتباه إلى ما يفرقهـم وما يمايز بينهـم. أشكال التنظيم الاجتماعي الطوعي المعبرة عن الشباب يمكن، بناء على ذلك، تصنيفها إلى: حركة اجتماعية تعبر عن تطلعات وقضايا عامة ومشتركة للشباب في فترة معينة، وتضغط على أصحاب القرار من أجل تبني هذه القضايا والتطلعات. أما النمط الثاني، فهو يشمل طيفاً واسعاً، النقابة على أساس مهني، الحزب على أساس سياسي وأيدولوجي، الجمعية الأهلية على أساس المطالب والمصالح.
الحراك الشبابي كما أسلفنا يمكن أن يتطور إلى حركة شبابية منظمة طالما أن القضايا العامة المشتركة لم تتحقق، وفي ذات الوقت يمكن أن يشكل حاضنة لولادة أشكال جديدة لانتظام الشباب على أساس المهنة والمصلحة والأهداف المشتركة والجهة وغير ذلك، كما يمكن أن يعزز قدرات الشباب المنضوين في أطر منظمات وتنظيمات قائمة لإحداث تغيرات جوهرية فيها. بالتأكيد، ثمة معيقات ومحددات، غير أنها لن تحول دون اندفاعة هذا الجيل نحو المستقبل وترك بصمته المميزة على مسيرة الكفاح الفلسطيني في طورها الجديد. ولعل أبرز هذه المعيقات يرتبط بالشباب أنفسهـم؛ وهو ما تبدى واضحاً في أعقاب 15 أذار وبتأثير قوى النظام والثقافة السائدة والشعور بالفشل أو العجز، إذ سرعان ما اشتغلت ديناميات الفرقة والخصام في صفوفهـم، ونزلوا عن الجبل قبل الأوان ليتصارعوا على مغانم موهومة، فأهـملوا صياغة أولويات الحركة في اليوم التالي.
 
الاثمار المؤجل: أزمة السلطة الفلسطينية وتعثر البديل الاسلامي
أزهر ربيع فلسطين مبكراً لكنه لم يثمر بعد، فقد حدث التحول الكبير على مستوى النظام السياسي بانكسار الهـمينة والتفرد، وبإجراء الانتخابات، وبالحوار الوطني، وبالمنحى الجديد في عمل منظمات المجتمع المدني، وبانبثاق حركة متنامية لشباب الجيل الثالث، مترافقاً مع وصول القوى المهيمنة إلى طريق مسدود، على صعيد إستراتيجية التفاوض أو المقاومة علاوة على الفشل الذريع في إدارة السلطة والمجتمع.
 
أزمة السلطة الفلسطينية:
تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية أزمة شاملة؛ تتعلق بآفاق وفرص تحولها إلى دولة كاملة السيادة. من الواضح أن سياسات السلطة وممارساتها لم تسهـم في تعزيز الصمود وفي تمكين الفلسطينيين من مواجهة الاحتلال وتدشين البدايات المؤسساتية السليمة للدولة العتيدة. فشلت السلطة في أن تكون سلطة واحدة ومفردة وعقلانية تستوعب القوى الأخرى في المجتمع (الاندماج وبناء الإجماع)، وتحافظ على طبيعتها الدولانية والانتقالية في ذات الوقت. أسست للتمييز والتهـميش، كما ساهـمت في إهدار الموارد، وتشجيع الاتجاهات الاستهلاكية، وأدت في نهاية المطاف إلى تركيز السلطة والثروة وبروز تحالف بين السلطة والمال، يشكل المقرر الأول ليس في الشأن الاقتصادي فحسب، وبل وفي الشأن السياسي والاجتماعي أيضاً. كما يمكن القول كذلك، إن الممارسات التي انبثقت عن هذه الخطط والتوجهات والسياسات، ليس فقط أنها لم تبن القدرات الاقتصادية، وإنما أيضاً ساهـمت في تدمير البنى والأصول والمقدرات، وأجحفت بالبيئة وبالاستدامة، وعززت الاعتمادية والتفاوت، ما نجم عنه انعدام للثقة والعزوف عن الفعل الجماعي، وزيادة الانكشاف أمام الممارسات الإسرائيلية الاحتلالية، في وقت وصلت فيه إستراتيجية التفاوض إلى طريق مسدود.
 
تعثر بديل "حماس":
بالمقابل، يمكن القول أن حكومة حماس في قطاع غزة فشلت في الجمع بين السلطة والمقاومة مثلما إدعت، بالرغم من صدى نموذجها وتأثيراته على الجوار العربي بحكم وسائل الاعلام. تحول القطاع إلى "نموذج ثوري"، وخصوصاً بعد العدوان على غزة، يلهب خيال الشعوب العربية ويحرضها على الفعل في مواجهة أنظمة متواطئة وعاجزة، تمارس سياسات الإفقار المادي والروحي تجاه شعوبها، ولا تحرك ساكناً لنصرة الفلسطينيين. والغريب أن الانقسام المرفوض من قبل الفلسطينيين أنفسهـم، اُستقبل على مستوى الشعوب العربية غالباً، وبفضل الدور التعبوي للفضائيات العربية أو بعضها، على أنه انقسام بين الحق والباطل، بين الممانعة والاعتدال، بين تحدي عنجهية إسرائيل وبين الرضوخ لإملاءاتها، وهو استقبال، على أي حال، ينطوي على مغالطات ومفارقات.
 
راهن كثير من الفلسطينيين الذين صوتوا لصالح كتلة "الإصلاح والتغيير" على أن "حماس" ستواصل مشوار المقاومة حتى نهاياته المظفرة من ناحية، وفي ذات الوقت ستعمل على تصحيح مسار السلطة الفلسطينية بتخليصها من فسادها ومن قيودها والتزاماتها تجاه الطرف الإسرائيلي وعلى إعادة بناء نظام سياسي فلسطيني يقوم على المشاركة وليس الهيمنة والتفرد، من ناحية ثانية. وكان خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة  قد أكد أن أولويات "حماس"، تتركز في ثلاثة نقاط رئيسية، هي إصلاح الواقع الفلسطيني وتغييره إلى الأفضل، وحماية المقاومة وحشد الجماهير حول ذلك، وترتيب مؤسسة القرار الفلسطيني على أساس الشراكة وهي المجالس البلدية والمجلس التشريعي ومنظمة التحرير الفلسطينية.
 
في الواقع، بينت التجربة العملية أن "حماس" لم تستطع الجمع بين الحكم في غزة والمقاومة في الضفة الغربية، كما لم تستطع أن تجمع بينهـما في قطاع غزة ذاته، بغض النظر عن الأسباب، وهنا نورد مصطلح "المقاومة" بالمعنى الذي تقصده الحركة وتعبر عنه في أدبياتها، يقول رمضان شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي"في قطاع غزة المقاومة مجمدة بقرار ذاتي حفاظاً على استقرار سلطة حماس.. إذن، ليس هناك جمع بين السلطة والمقاومة، هناك تغييب للمقاومة وسلطتان في غزة والضفة. هذه هي نتيجة المشاركة في الانتخابات، وهذا هو الفخ الذي نصب لمشروع المقاومة وحماس ركن أساسي فيه".
 
وفي الوقت الذي لم تعد مقولات الجهاد والمقاومة تشكل الخطاب المهيمن أو المعيار المحدد للسلوك، شهدت هذه السنوات أقل مستوى من العمليات والهجمات قياساً بالفترة الزمنية منذ عام 1990 وعام 2005. بالمقابل، أثبتت الحركة قدرتها على ضبط الأمور وبسط سيطرتها وتحكمها، يقول د. ناجي شراب أن حماس "اقتربت من تحقيق نظام فعال، وإعادة تشكيل النظم القانونية والتشريعية وإعادة إدارة الشئون الصحية والاجتماعية، واستطاعت فرض النظام وضبط السلاح وخفض القيادات العشائرية والأنشطة الإجرامية والعدائية، كما أثبتت مهارتها من خلال اختراقها الواضح للحصار"، ومع ذلك، يلاحظ شراب غلبة النزعة الأمنية؛ سواء في العلاقة مع التنظيمات السياسية أو منظمات المجتمع المدني أو مبادرات الشباب، هذا علاوة على سياسة الجباية في ظل أوضاع اقتصادية متردية ونقص الخدمات.
 
لم تتحقق الأهداف الثلاثة التي أعلنها خالد مشعل بعد مرور خمس سنوات، بل ربما ازداد الأمر سوءاً، فالواقع الفلسطيني لم يصبح أفضل، ومؤسسة القرار لم تبق على حالها بل تفاقم أمرها مع الانقسام. لا يصعب القول إن "حماس" لم تنجح في التخلص من القيود ومواصلة مسيرة الكفاح المظفرة، كما لم تطرح بديلاً لمصادر التمويل بما يخفف من ضغوطات وتأثيرات الأجندات السياسية. إلى ذلك، رضخت الحركة إلى انسداد الأفق السياسي وراحت تتكيف مع "الواقع". بالمقابل، لم يتحسن أداء الفلسطينيين لا في مجال المقاومة، التي انتهت إلى تهدئة إكراهية ومن طرف واحد، ولا في مجال إدارة شؤون السلطة، التي تحولت في غزة إلى سلطة أسيرة وعاجزة، وفي رام الله سلطة اعتمادية تحت الاحتلال. ولا في إدارة المجتمع الذي تزداد مظاهر التفسخ والفرقة والتفاوت بين فئاته ومناطقه تارة بفعل الفصل والعزل وتارة بفعل السياسات والممارسات الخاطئة وخصوصاً في مجال صيانة الحقوق والحريات العامة والخاصة.
 
لعله من نافل القول، أن على أي سلطة في الحالة الفلسطينية، كما في كل حالة أخرى، أن توازن بين أضلاع ثلاثة في مثلث الحكم: السياسة، الاقتصاد والأمن، وأن تقدم منظوراً متكاملاً يجمع بين مقتضيات كل من هذه الأضلاع. ويكمن خطأ حماس في عدم امتلاكها مثل هذا المنظور، واستعاضت عنه بإجراءات وتكتيكات منفصلة بعضها عن بعض، وحتى يعارض بعضها بعضاً. بالتأكيد، يمكن أن نلتمس العذر للحركة وحكومتها إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ثقل التركة الاقتصادية والأمنية، ووطأة الحصار والعزلة والمناكفة الداخلية. ولكن، يبقى من غير المفهوم، أو المبرر أن تقف الحركة عاجزة عن مواجهة التحدي بصورة معقولة تقوم على ترتيب الأولويات وإعادة صياغة الأهداف وتغيير المقاربات، وقبل كل ذلك ومعه امتلاك القدرات المعرفية والتحليلية للواقع المعقد الذي وجدت الحركة نفسها فيه وجعلت من الحالة الفلسطينية برمتها فريسة له.

المجتمع المدني الفلسطيني: عودة الروح
يمثل العقد الأول من القرن العشرين بداية انبثاق الوعي الوطني الفلسطيني، حتى بات الانتساب والانتماء إلى فلسطين أمراً شائعاً. غير أن المجتمع الفلسطيني، ظل طوال فترة الانتداب، يعيش جدل التفكك والبناء، بين هيمنة العلاقات الاجتماعية التقليدية، وتلك القائمة على التوافق وتناسق المصالح بشكل عقلاني، في ظل تفاقم المخاطر والتحديات الناجمة عن الأطماع البريطانية والصهيونية. ولذلك، يصعب القول: إن شعوراً جماعياً للمجتمع السياسي الفلسطيني بالانتماء إلى قضية كبيرة واحدة، قد تبلور وتشكل بالكامل.
شكلت الجمعيات الإسلامية-المسيحية في فلسطين أولى محاولات العمل السياسي والمدني المنظم في ظل الحكم العثماني المباشر. ومن أهدافها؛ المحافظة على حقوق أبناء الوطن المادية والأدبية، الاهتمام بشؤون الوطن الزراعية والاقتصادية والاجتماعية، إحياء العلم وصقل الروح الوطنية. اعترفت بها السلطات البريطانية كهيئات تمثيلية. مثلت قيادة هذه الجمعيات رأس الهرم الاجتماعي، فكان زعماؤها من الأسر الثرية. واعتمدت أسلوب النضال السياسي السلبي لتحقيق المطالب العربية، انطلاقاً من إيمانها بإمكانية توافق المصالح البريطانية مع المصالح العربية.
 
مع تبعثر الشعب الفلسطيني منذ العام 1948، في تجمعات متعددة، تتباين في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية وتفتقر الى التكوين المجتمعي الموحد، شكل الدور التوحـيدي لمنظمة التحرير الفلسطينية (التعبير المؤسساتي عن النظام السياسي الفلسطيني) عاملاً أساسياً في صيانة الهوية الفلسطينية الوطنية وتطويرها من خلال اتحاداتها الشعبية والمهنية وكذلك الشبكات التنظيمية للفصائل السياسية المؤتلفة في إطارها والمؤسسات الجامعة التي شكلت لتمثيل التجمعات الفلسطينية ووفرت منبراً موحداً لبلورة الخطاب السياسي للشعب الفلسطيني. أدت سيطرة فصائل المقاومة على م.ت.ف في العام 68/69 إلى إعادة تنظيم هيكليتها، وصقل مجموعة من المهام أكثر إتساعاً وحداثة. وجرت إعادة تشكيل مهام المؤسسات الوطنية السياسية والعسكرية والاجتماعية وتنظيمها وتشغيلها عبر عملية تفاوض وتفاهـم بين فصائل المقاومة. ويعزي يزيد صايغ نجاح م.ت.ف في اكتساب الاعتراف بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ليس فقط للتضحيات والمثابرة، بل إلى نجاح استراتيجية فتح في تحويل المنظمة إلى مؤسسة مركزية فاعلة كذلك، وهو الأمر الذي مكنها من تعبئة ما يكفي من التأييد الدولي لمطالبها بوصفها حركة تحرر وطني. لقد ساهـمت شبكة المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية للمنظمة في توفير القوة وإظهار النضج الوطني، وتشكل بفضلها نوع من "الكيان" الفلسطيني غير المرئي. واليوم مع تصاعد دعوات إعادة تجديد بناء م.ت.ف، من الضروري التركيز على إعادة النظر في الاتحادات والمنظمات الشعبية من حيث البنية والأداء والكفاءة والفعالية. باعتماد مبدأ الانتخابات وتكريس الديمقراطية داخلها، والابتعاد عن نظام الكوتا، وتعزيز مبدأ التمثيل الاجتماعي والمهني الحقيقي ومراعاة تكامل العلاقة بين هذه الاتحادات والمنظمات ومثيلاتها في أراضي السلطة الفلسطينية. إن المجلس المركزي للمنظمات الشعبية يشكل ضرورة لاستعادة دور هذه المنظمات في التعبئة الديمقراطية وتمثيل مصالح الفئات والشرائح الاجتماعية وتأكيد حضورها الإقليمي والدولي دفاعاً عن حقوق الفلسطينيين وفضح ممارسات الاحتلال وانتهاكاته اليومية. إن تحول معظم هذه المنظمات إلى مجرد مكاتب قيادية دون قواعد منظمة أو فاعلة واستفحال أسلوب العمل الإداري البيروقراطي بديلاً عن عمليات التعبئة السياسية والاجتماعية يستدعى التحرك فوراً لإعادة بناء وتفعيل هذه المنظمات قبل أن تذوي بالكامل وتختفي من المشهد الفلسطيني.
 
وبالرغم من الجذور الضاربة في القدم للعمل الخيري والجمعوي في فلسطين، غير أن نشأة ما عرف بالمجتمع المدني الفلسطيني جاءت في سياق الرد على الاحتلال (ما بعد عام 1967) وممارساته النافية للوجود والقامعة للحقوق والمعرقلة للتحرر والاستقلال. وبذلك، تأسس المجتمع المدني في الحالة الفلسطينية خارج فضاء أو فراغ الإقصاء المتبادل مع الدولة، وفي ذات الوقت، في خضم الصراع مع الاحتلال الاستيطاني والاحلالي. ولهذا شكلت منظمات المجتمع المدني، وخصوصاً المنظمات الأهلية، ضرورة وطنية وحاجة مجتمعية؛ فطبيعة النضال الوطني اقتضت توسيع نطاق المشاركة الجماهيرية، وبالتالي تضافر جهود كل الأطراف السياسية والاجتماعية للانخراط في النضال. هذا وقد تطلبت تحديات البناء واختبار الجدارة، ما بعد نشأة أول سلطة فلسطينية، مساهـمة أكبر وأوسع من هذه المنظمات ضمن توجهات جديدة وبأنماط عمل مختلفة. كشف اندلاع الانتفاضة الثانية الطبيعة الدورية للصراع، وبالتالي أهـمية الجمع بين أعمال التنمية والإغاثة والاستجابة السريعة للاحتياجات الطارئة في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية.
 
تظهر تجربة المنظمات الأهلية مفارقة ذات دلالة فيما يتعلق بفعالية دورها وتناميه: ممارسة الدور في فضاء الإقصاء المتبادل مع الاحتلال أكسبها شرعية وطنية، بينما ممارسة دورها في سياق الإقصاء المتبادل مع سلطة وطنية مقيدة وانتقالية أكسبها شرعية مجتمعية بوصفها معارضة عقلانية، بالرغم من الإشكالية التي شابت المجتمعين السياسي والمدني على حد سواء.  أما في ظل الانقسام على السلطة السياسية، فلم تعد هذه المنظمات قادرة على إعادة تعريف ذاتها اجتماعياً، فتعرضت إلى ممارسات الهيمنة والإقصاء والتقييد، من ناحية، ومن ناحية أخرى جرى استيعابها في الغالب ضمن هيكلة المعرفة والممارسة في إطار إستراتيجيات المعونة الخارجية. المفارقة الأخرى تتمثل في أن العلاقة الوطيدة بين زيادة عدد المنظمات وارتفاع الطلب على خدماتها من جهة، وبين زيادة الفعالية، وخصوصاً الفعالية السياسية، غير مؤكدة.
 
(1) بالرغم من غلبة الطابع السياسي على مسيرة الكفاح الفلسطينية، إلا أن المضامين الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ظلت حاضرة بصورة أو بأخرى، وشكلت الأطر والمنظمات الجماهيرية ومن ثم المنظمات الأهلية والحركات الطوعية أحد التعبيرات الرئيسة عن هذه المضامين. إذا كانت نشأة ما يعرف بالمجتمع المدني وخصوصاً المنظمات الأهلية اقترنت بنضالات الجيل الثاني من الشباب الفلسطيني، فإن ارهاصات تبلور حركة الجيل الثالث جرت في إطار التشكيلات المدنية القائمة والمستحدثة، عبر عمليات التعبئة وأنشطة التوعية والتدريب والتطوع وتزويد الخدمات والدعم.
 
(2) انطلقت الورقة من فرضية أسبقية الربيع الفلسطيني، من حيث تغير علاقات القوة لصالح قوى اجتماعية وسياسية جديدة، ومن حيث النزوع نحو الديموقراطية والتغيير وضد الفساد والهـمينة وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ومن حيث إجراء الانتخابات كوسيلة لإعادة بناء نظام سياسي تعددي وتشاركي، ومن حيث اندلاع مظاهر للعنف والاقتتال بين قوى النظام وقوى المعارضة الإسلامية تحديداً. من المؤكد أن استلهامات متبادلة حدثت بين الربيعين: استلهام نموذج الانتفاضة الشعبية، الاعتماد على الحراك الشبابي، استخدام ذات الوسائل والأساليب في التعبئة والحشد والتظاهر. غير أن ثمة تمايز جلي بين الربيعين، نابع من خصوصية الوضع الفلسطيني المحدد أساساً بالاحتلال، فالربيع الفلسطيني لم يستهدف إزاحة نظام أو تنظيم بعينه بقدر ما استهدف كسر حدة التفرد وتأكيد المشاركة والتداول، والأحرى، إعطاء الجيل الثالث فرصة انتزاع المبادرة في قيادة المشروع وفي إضفاء بصمته على مضامين المشروع وآليات تحقيقه في ظل معطى تاريخي جديد. الأزمة في الحالة الفلسطينية ليست أزمة حكم، وليست أزمة ديموقراطية، وليست أزمة اقتصادية، بل أزمة مشروع وطني ولج نفقاً مظلماً بتأثير ممارسات الاحتلال أساساً، ومن ثم تأثيرات العامل الذاتي ونواقصه. تتبدى الأزمة في بعض الأحيان بوصفها أزمة حكم فحدث الانقسام إثر الصراع على السلطة بين حركتي فتح وحماس، وتبدت كما لو أنها أزمة ديموقراطية وإصلاح فجاءت الانتخابات لتفاقم ديناميات الفرقة والتفسخ، وتبدت في مرحلة أخرى كما لو أنها أزمة إنسانية بأبعاد اقتصادية واجتماعية، فانهالت مشاريع الدعم والإغاثة، وكثرت خطط الاصلاح والتنمية، فلم يزد الأمر إلا تردياً وتفاقما.
 
(3) تراجعت الفعالية السياسية لمنظمات المجتمع المدني مع اندلاع الانتفاضة الثانية بسبب التركيز على الأنشطة ذات الطابع الإغاثي وتراجع أنشطة المدافعة والتأثير ومن ثم بسبب الاقتتال والانقسام. واللافت أنه بمجرد تكريس وجود حكومتين فلسطينيتين، واحدة في الضفة الغربية والثانية في قطاع غزة، راحت الفعالية السياسية للمجتمع المدني تتزايد وتائرها، أولاً تحت تأثير الاستهداف المباشر من قبل أجهزة أمن الحكومتين، وصولاً إلى إغلاق جمعيات والاستيلاء على مقراتها وممتلكاتها، وثانياً، لانخراطها في أنشطة الضغط من أجل المصالحة وتكريس ثقافة الحوار والتسامح ونبذ العنف، وثالثاً، لدخولها في حالة اشتباك يتراوح بين التنسيق والتعاون من جهة، والانتقاد وتقديم البدائل من جهة ثانية، مع الحكومتين من حيث السياسات القطاعية وتخصيص الموازنات العامة وتصميم البرامج والمشاريع. أخيراً، ارتباطاً بالحركة المتنامية في أوساط الشباب والمعبر عنها بالمبادرات الرافضة للاقتتال أو الداعية للوحدة وبروز قيادات شابة قادرة على إسماع صوتها وحشد الآراء وبناء التحالفات، وهو ما دفع منظمات المجتمع المدني للتساوق مع هذه الحركة ودعمها ومحاولة توظيفها: حدث ذلك مع إضراب العمال في بداية الانتفاضة، ومع المبادرات الشبابية، ومع الكتل الطلابية ومع خريجي الجامعات ومع الشباب الريفي. أدركت منظمات المجتمع المدني الفلسطيني أن المعركة من أجل الاستقلال ومن أجل الديموقراطية ومن أجل تحقيق غايات التنمية الإنسانية هي معركة سياسية بالمقام الأول، وأن أعمال الإغاثة الخيرية والاكتفاء بتقديم الخدمات والعزوف عن السياسة من شأنه أن يفاقم أزمته ويضعف دوره ويمّكن سلطتي رام الله وغزة من الزحف المنظم لاحتلال الفضاء العام وتقليص مساحة الفعل السياسي والاجتماعي أمام الآخرين. ولعل من أبرز تعبيرات ذلك، تشكيل تحالف واسع من التنظيمات السياسية والمنظمات الأهلية ومراكز حقوق الإنسان والمثقفين، في الضفة الغربية وقطاع غزة، ضد انتهاك الحقوق وتقليص الحريات. الملاحظة الجديرة أنه بعودة قدر من السياسة لمنظمات المجتمع المدني، خفت حدة الملاحقة الأمنية ومحاولات تضييق الخناق، بل تمكنت من انتزاع تأكيد التزام الحكومتين بالمحافظة على عمل المنظمات الأهلية وحمايته وتقديم الدعم له. مع فعاليات 15 أذار اكتشفت أجهزة الأمن في الحكومتين مدى تأثير ونفوذ منظمات المجتمع المدني، وخصوصاً مراكز حقوق الإنسان، والمنظمات الشبابية والعاملة في مجالات التعليم الديموقراطي والتمكين وشؤون المرأة. وحاولت أن تتعامل مع هذا الواقع باستخدام المقاربة الأمنية، غير انها سرعان ما تراجعت مدركة في ضوء التجربة العربية عقم هذه المقاربة. كنا قد اثبتنا في المؤتمر السابق، أنه كلما انشغلت المنظمات بمشاريع وبرامج تقديم الخدمة على حساب عملها في مجالات الضغط والمناصرة ونقد السلطة وبناء التحالفات، كلما سهل على الحكومة البطش بهذه المنظمات أو ابتزازها أو عقد صفقات شخصية مع القائمين عليها. ولذلك، ليس غريباً أن تخف القبضة الأمنية ويتوسع هامش الفعل السياسي والاجتماعي مع عودة العمل في هذه المنظمات بوصفها منظمات مجتمع مدني، تعمل على وتسهدف تعديل علاقات القوة الاجتماعية لصالح الفقراء والفئات الشعبية الضعيفة والمهـمشة. كما بينت التجربة أهـمية التواصل والتشبيك في تعظيم النفوذ وقطع الطريق على السلطة في محاولات الهيمنة والاحتواء التي تمارسها. 
 
(4) ومع كل ما ذكر، علينا أن نعترف أن المجتمع المدني الفلسطيني لازال ملتبس الدور والهوية في غياب الدولة الوطنية وفشل السلطة في التحول إلى دولة، وفي سياق بيئة تتسم بالانقسام السياسي والتفسخ المجتمعي (يختلف عنه في زمن الاحتلال والسلطة). المجتمع المدني الفلسطيني بمثابة ميدان متنازع عليه بين أكثر من طرف: السلطة، هيئات المعونة الخارجية، القوى السياسية الإسلامية والعلمانية، لبسط الهيمنة. وبالتالي ليس غريباً أن تجد منظمة تعمل على رصد انتهاكات حقوق الإنسان وملاحقة مرتكبيها، بينما منظمة أخرى تعمل بمثابة وكيل بالباطن لتنفيذ أجندات خارجية. أو منظمات تقوم على التمويل الذاتي، وأخرى تعتمد بالمطلق في وجودها واستمرارها على التمويل الخارجي المسيس. وإذا كانت هذه المنظمات تتشابه من حيث الشكل المؤسسي، غير أنها بالتأكيد تتفاوت من حيث الفعالية، أي من حيث درجة الاستقلالية والنفوذ.
الخلاصات والاستنتاجات:
(1) كافح العرب طويلاً من أجل إعادة تحديد موقعهـم على خارطة العالم، بإعادة تعريف هويتهـم وبناء كيانهـم السياسي، ودائماً في ظل وجود تحديات هائلة، داخلية وخارجية. مع الربيع العربي، بوصفه مبادرة تاريخية تنخرط فيها جموع الجماهير التواقة للحرية والديموقراطية والكرامة والعدالة، تنتعش الآمال مرة أخرى بأن يسجل العرب نقلة حاسمة وفاصلة بين زمنين، يعودون للتاريخ مرة أخرى وينخرطون في زمن الحداثة، مستلهـمين تراثهـم العريق، متحررين من جبروت أنظمة الاستبداد، ومستهدفين إعادة بناء مجتمعاتهـم ودولهـم على أساس الديموقراطية والحرية. الواقع لازال عنيداً، فنماذج الربيع العربي متعددة، وثمة دول عصية على التغيير، والآراء تنقسم حول تفسير ما يحدث، الانفعالات الجماهيرية تطغى على الحسابات العقلانية.
ولكن، فوق ذلك كله، ثمة تخوفات مشروعة ومحاذير جديرة بالأخذ في الحسبان: وصول حالة التفكك الجارية الآن إلى مديات بعيدة وصولاً إلى زوال الدولة والدخول في الفوضى الشاملة، استغوال العامل الخارجي وتأثيراته على مجريات الأحداث في اتجاهات بعينها وتمكنه من السيطرة والتحكم، وصول الحركات الاسلامية إلى سدة الحكم، مع ما يحمله هذا الأمر من تساؤلات مشروعة وتخوفات جدية، أخطرها، تعرض النزوع للديموقراطية إلى انتكاسة كبرى على يد هذه القوى التي لم يثبت بالتجربة التزامها بقواعد اللعبة الديموقراطية ومبادئها وضوابطها.
وبالرغم من ذلك، فما يحدث اليوم هو بمثابة حرب أهلية سلمية إلى حد كبير، تقصر أو تطول، فسيكون من شأنها أن تفضي، في نهاية المطاف، إلى إعادة بناء اجماع حقيقية في إطار دول مدنية عصرية قد تندرج/تندمج في تكتلات إقليمية أوسع. إذ لا خيار أمام العرب سوى الولوج في زمنهـم والاندماج في عصرهـم. وبمقدورهـم التغلب على الصعوبات وتجاوز مخاوف بعضهـم بإطلاق طاقات الشعب المكبوتة والثقة بها، وبتوسيع الفضاء العام أمام مختلف أشكال الفعل السياسي والاجتماعي، وبالحوار بين الاتجاهات الفكرية والسياسية والتوصل إلى عقد اجتماعي جديد، وباستلهام تجارب رشيدة عديدة في عالم اليوم، تجمع بين الخصوصية التاريخية والانفتاح على معطيات العصر والاندماج في مجراه الإنساني العام. وصولاً إلى بناء الدولة المدنية القائمة على الحق والقانون والمواطنة، وإدماج حقوق الإنسان في مجمل عمليات إعادة البناء.
 (2) استبعدت الدولة الغنائمية، دولة الثقب الأسود، بتعبير تقرير التنمية البشرية العربية، كافة أشكال المعارضة: قضت على المعارضة العنيفة بحملات أمنية شرسة، دجنت المعارضة التقليدية بالاحتواء والزجر والقهر. لم تستسلم الشعوب، رغم ذلك، وعبرت عن ذلك باحتجاجات لم تنقطع يوماً، وبابتداع أنماط جديدة للتواصل والتعبئة والتعبير بعيداً عن أجهزة الأمن. وكان أن اُستدعي مفهوم المجتمع المدني، من تراثه العربي ومن تجارب الإنسانية، في محاولة للحد من تغول الدولة وتوسيع نطاق الحيز العام، حيث الحوار العقلاني والتعاقد الحر، والتعبير المشترك والجماعي عن الهـموم والمصالح والتطلعات.
منذ لحظة استدعائه، بات المجتمع المدني محل جدل وخلاف بين النخب من ناحية، ومحل صراع مع الدولة وسلطاتها من ناحية ثانية. استمرت منظمات المجتمع المدني، رغم ذلك، في التوالد والتكاثر، وبات حضورها يشكل جزءاً من المشهد العام. وإذا كانت فعاليتها السياسية (أي قدرتها على تعديل علاقات القوى الاجتماعية) محدودة، غير أنها نجحت في التمهيد للربيع العربي، بوصفها تمريناً على الديموقراطية والنقد والقدرة على طرح البدائل والعمل الجماعي، وبوصفها شبكة معقدة من التفاعلات الاجتماعية أمنت الطريق نحو بناء وعي جمعي رافض لبقاء الواقع وطامح للتغيير.
لذلك، ترى الورقة أن منظمات المجتمع المدني، بالرغم من النواقص والسلبيات، لعبت دوراً في الربيع العربي، حتى أن نجاح الثورة هنا أو هناك، ارتبط بمدى تطور هذا المجتمع. ويعتبر وجوده ضرورة وضمانة للتغيير والانتقال، ومساهـماته حيوية في مجالات رصد انتهاكات حقوق الإنسان، مراقبة أداء الحكومات الجديدة، تعليم الديموقراطية، تحقيق العدالة الانتقالية والمساهـمة في عمليات بناء الاجماع، ومواجهة التحديات ما بعد الثورة. ومن غير المؤكد نجاح منظمات المجتمع المدني في الاضطلاع بمسؤولياتها ومهامها هذه، ما لم يستعيد هذا المجتمع عافيته وفعاليته السياسية: رد الاعتبار لمفهوم المواطنة، سد المنافذ أمام كافة أشكال الاختراق الخارجي، عدم ترك المجال الاجتماعي والعمل المباشر مع الناس، رفض أي نشاط أو برنامج من شأنه أن يزيد من حدة التشرذم والاستقطاب داخل المجتمع، إبداء قدر كبير من التجاوب والالتزام مع متطلبات الديمقراطية، التخلي عن الميول النخبوية، والدخول في ممارسات ديمقراطية حقيقية، بناء وتطوير مجتمع مدني عربي موحد.
 
(3) في غضون عقد حدث التحول الكبير على مستوى النظام السياسي الفلسطيني بإجراء الانتخابات، وفوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وبالتالي انكسار الهـمينة والتفرد، ومن ثم الاقتتال والانقسام. ترافق هذا التحول مع وصول المشروع الوطني إلى انسداد واضح على صعيد إستراتيجية التفاوض والمقاومة وإدارة السلطة والمجتمع.
جاءت الانتفاضة الثانية تعبيراً عن حالة احتقان داخلي بسبب أداء السلطة الفلسطينية (الفساد، الاحتكار، الهيمنة) ورداً على مماطلات الاحتلال وممارساته، لتأخذ طابعاً شعبياً في بداياتها وليتنطع الشباب بقيادة فعالياتها، قبل أن تجري عسكرتها. دشنت الانتفاضة بداية الربيع الفلسطيني، رفعت الانتفاضة شعار الاستقلال أساساً، لكن فعالياتها الجماهيرية حملت مضامين مجتمعية تمحورت حول الاصلاح والتغيير وكسر الهيمنة ومحاربة الفساد وتعزيز الشراكة والمشاركة. حين تعرضت الانتفاضة إلى ضربة قاصمة، وبدا أن النظام السياسي يعاني من حالة استقطاب شديدة، وقع الجيل الثالث من الشباب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ضحية منظومتي العزل والاستقطاب. غير أن بواكير الحراك الشبابي أخذت تعلن عن ذاتها في جدل التكيف والرفض، عبر فعاليات ومبادرات كثيرة.  
يمكن الاستنتاج أن الربيع الفلسطيني سبق الربيع العربي بحوالي عقد من الزمن، وذلك من حيث تغير علاقات القوة لصالح قوى اجتماعية وسياسية جديدة، ومن حيث النزوع نحو الديموقراطية والاصلاح ومن حيث دخول المجتمع الفلسطيني في حالة من التفكك والتفسخ مصحوبة بتنامي مظاهر العنف، ومن حيث بات الشباب يشكلون رافعة التغيير والمطالبة بالاصلاح. وعليه، سجل 15 أذار ذروة تنامي حركة الجيل الثالث وهو يحاول أن ينتزع زمام المبادرة في قيادة المشروع الوطني، دون أن يسقط نظاماً أو يخلع رئيساً، وإنما إسقاط برامج ومناهج. ولقد كثف شعار "الشعب يريد إنهاء الانقسام" طموح هذا الجيل نحو تجاوز حالة الانقسام وبالتالي نقد خطاب وسلوك القوى التي أفضت إليه.
بالرغم من غلبة الطابع السياسي والكفاحي على المشروع الوطني التحرري، غير أن المضامين الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لم تغب عنه في أي مرحلة، وشكلت الأطر والمنظمات الجماهيرية ومن ثم المنظمات الأهلية والحركات الطوعية أحد التعبيرات الرئيسة عن هذه المضامين وحواملها الاجتماعية. وبنفس القدر، تضمنت برامج وأنشطة المجتمع المدني بعداً سياسياً ووطنياً تحررياً. شهد منسوب الفعالية السياسية لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني تراجعاً واضحاً منذ نشأة السلطة الفلسطينية، ليصل مرحلة الحياد (الجبن) السياسي والعزوف عن السياسة مع الانقسام وبتأثيره. مع تفاقم أزمة السلطة الفلسطينية بشقيها، وتقليص مساحة حرية الفعل السياسي والاجتماعي والتضييق على المنظمات الأهلية، ومع المماطلة الواضحة وغير المبررة في إنجاز ملف المصالحة الوطنية، وبتأثير واضح من المبادرات الشبابية، بدأ منسوب الفعالية السياسية يعلو تدريجياً (فعاليات تدعو لانهاء الانقسام، بدائل عملية وتصورات واقعية حول قضايا الخلاف، حملات شعبية للضغط من أجل وقف التعديات على الحريات والحقوق، تبني النهج الحقوقي في التنمية، ممارسة نقد السلطة وسياساتها القطاعية، وهكذا..)
إن مما لاشك فيه، أن المجتمع المدني الفلسطيني سيبقى ملتبس الدور والهوية في غياب الدولة الوطنية وفشل السلطة في التحول إلى دولة، وفي سياق بيئة تتسم بالانقسام السياسي والتفسخ المجتمعي. غير أن وعود الربيع العربي بالديموقراطية تقتضي بالضرورة توسيع الفضاء العام وتعزيزه، كما أن عودة منسوب الفعالية السياسية إلى الارتفاع سيجعل من منظماته مكوناً أصيلاً من مكونات حركة التحرر الفلسطيني دون أن تسقط المضامين الديموقراطية والاجتماعية