الدور المنتظر لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني (الضفة وغزة) في تفعيل الحوار المجتمعي حول التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني في أعقاب الانتفاضات العربية

PDF version

"المجتمع المدني من دون سياسة، وخارج سياق النضال في سبيل الديمقراطية، هو إجهاض للمعنى التاريخي للمجتمع المدني"
عزمي بشارة
تمهيد
لازالت فلسطين تعيش إشكاليتها الخاصة المرتبطة بالاحتلال وانعدام الاستقلال والسيادة. ولذلك، يجب قراءة المجتمع المدني ودوره في السياق الفلسطيني من منظور الفعالية السياسية، أي بالعلاقة مع الإشكالية الخاصة للحالة الفلسطينية.

بعد انتهاء العدوان على قطاع غزة (نوفمبر 2012)، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بالاعتراف بفلسطين دولة غير عضو، تنتصب أمام الفلسطينيين مهمة عاجلة تتمثل في استعادة وحدتهم الوطنية وإقرار إستراتيجية سياسية شاملة وموحدة. ولذلك، تقع على عاتق منظمات المجتمع المدني الفلسطيني أعباء ضخمة؛ فمن مواصلة الضغط من أجل اتمام الحوار والوصول إلى مرحلة التطبيق، إلى المشاركة الفعلية في صياغة الاختيارات المستقبلية الأساسية، تفعيل ديناميات تمثيل الفئات المهمشة وتعظيم قدرتها على المشاركة في صياغة الأجندة الوطنية، المحافظة على الفضاء العام بما يتضمنه من حريات وحقوق، المساهمة في إستعادة التوازن المجتمعي وبناء الاجماع، مواصلة الجهد حتى استكمال تحقيق الأهداف الوطنية المشروعة، وبناء مجتمع ديموقراطي ينخرط في عملية تنموية مستدامة، ويتمتع كل أفراده على قاعدة المساواة والعدل والكفاءة والانصاف، بنتائجها ومخرجاتها.
في مواجهة الأوهام : العودة للسياسة
يلج الإقليم مسار التحول الديموقراطي، محمولاً على ذاتية سياسية جديدة (شعوب كسرت حاجز الخوف ومجتمع مدني معارض)، وهو بالتأكيد مسار متعرج ومحفوف بكافة المخاطر. وكما هو معروف، فإن انعدام النضج السياسي والعنف الداخلي والهيمنة الخارجية، من شأنها أن تؤثر سلباً على هذا المسار. ولأن الأمر كذلك، فإن مشاركة المجتمع المدني تعتبر شرطاً لازماً وضرورياً. في هذا السياق، يجب التمييز بين نوعين من المجتمع المدني:
إداري، ترعاه قوى الليبرالية الجديدة وتدعمه، يقوم على إعلاء النزعة الفردية، يتجاهل الدمقرطة، ساهمت المعونة الخارجية في تخريب نخبه عبر سياسة مزدوجة المعايير، من التعزيز والاستبعاد.
مجتمع مدني معارض/مقاوم، حيث المجتمع المدني هنا أكبر من مجرد شكله المنظم، وهو ليس المساحة المتروكة بين الدولة والأسرة، بل هو مصدر الاستقلال الذاتي، وهو الذي يعزز الاستقلالية الذاتية للمستفيدين
الفارق الأساسي بين منظمات "النمط الإداري" و"النمط المعارض" يكمن في درجة "الفاعلية السياسية"، أي قدرة هذه المنظمات على المساهمة الجدية في تعديل علاقات القوى الاجتماعية، وعلى نقد ذاتها، وعلى إعادة إنتاج ذاتها اجتماعياً.

أبرز القراءات لمفهوم المجتمع في سياق تحولات الإقليم على مسار التحول الديموقراطي:
المجتمع المدني دون سياسة: في ظل الأنظمة الاستبدادية، ساد نمط المجتمع المدني الإداري، حيث استمد قدرته على العمل والبقاء من هامش ضيق أتاحته نظم الاستبداد، وبالاعتماد الكامل على الخارج، وبتجنب الفعل السياسي. ثمة استثناءات قليلة حيث لم تخل ساحة الفعل الاجتماعي والسياسي بالكامل من محاولات استدعاء مفهوم المجتمع المدني المعارض، من تراثه الإنساني، في محاولة للحد من تغول الدولة وتوسيع نطاق الحيز العام

ولادة ذاتية سياسية جديدة: منحت الاحتجاجات الشعبية العمل السياسي المدني، أفقاً للتحرك الهادف إلى الدفع بمشروع الإصلاح السياسي، بولادة تخيلية سياسية جديدة تجاوزت ما سبقها من ديناميات التعبئة والحشد، اشتملت على تفعيل دور الشباب ومشاركتهم، دفع الاسلاميين إلى تغليب اعتبارات السياسة على انحيازات الأيديولوجيا، والانتماء الوطني على أي ولاءات أخرى، المطالبة بتوسيع المشاركة السياسية والمساواة، منح مضمون جديد لفكرة المواطن والمواطنة. ومن أهم حوامل هذه التخيلية، ما نطلق عليه قوى المجتمع المدني المعارض، والتي تضم أشكال التنظيم الذاتي للناس في الشوارع والميادين والفضاء الالكتروني.

الدولة المدنية، تعبير مكثف عن الذاتية السياسية الجديدة: لم تعد المدنية، مبدأ أساسياً للمجتمع والقانون فحسب، فقد أرادها العرب المنتفضون مبدأ ناظماً للدولة المرغوبة ونظام الحكم المنشود. وقصدوا بذلك، رفضهم لدولة الاستبداد الديني أو القومي أو العسكري أو الطبقي، ورفضهم الفوضى وحرب الكل ضد الكل. غني عن القول أن هذه الدولة لازالت هدفاً منشوداً لما يتحقق، وبالتالي تعتبر مشاركة المجتمع المدني في النضال من أجلها أحد أهم عناصر مسيرة التحول الديموقراطي

أهـمية المشاركة السياسية: أظهرت الأحداث السياسية التالية لاندلاع الانتفاضات أن الأمر لا يتعلق بالسيطرة على أجهزة الدولة تحت غطاء الشرعية الثورية، أو الدينية أو الضرورة التاريخية، وإنما بمدى قدرة الممثلين السياسيين الجدد على الانتقال من منطق ممارسة السلطة إلى "إدارة الحكم". وهو ما يعني طرح فكرة المشاركة الواسعة تأسيساً على مبدأ التعددية والمواطنة. المشاركة هنا ليست وسيلة للتمكين وامتلاك القوة فحسب، بل هي جزء حيوي وأصيل من منظومة الحكم الديمقراطي.
التغيير من أسفل: بينت تجربة الربيع العربي، كما تجربة أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية من قبل، استحالة الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية من فوق، وإنما بالعمل على تغيير المجتمع من أسفل. ما يعني الحكم الذاتي والتنظيم الذاتي، وإنشاء جزر الاشتباك المدني أو "حرب مواقع" بلغة غرامشي، بما في ذلك الانسحاب من الدولة، والتحرك نحو القوانين والمؤسسات الدولية.
جدل الوحدة والانقسام: بالرغم من أن الميل العام، بعد اسقاط الأنظمة الاستبدادية، هو باتجاه الانقسامات، غير أن التجربة التاريخية للعمليات الانتقالية تفيد بأن فرص التحول الديموقراطي تزداد. ويعتبر التنسيق والتعاون بين الجهات الفاعلة في المجتمع المدني أحد مرتكزات الانتقال الناجح نحو الديموقراطية، بإشراك الجميع في النقاش العام حول بناء عقد اجتماعي جديد على أرضية من الثقة المتبادلة، وايجاد القواسم المشتركة، القيم والمفاهيم، بين المجالين المدني والسياسي.
اخفاق التجربة التنموية السابقة: من بين أشياء أخرى، اندلعت الانتفاضات العربية على خلفية فشل المشروع التنموي العربي. حمل المنتفضون إلى جانب شعارات الحرية والكرامة والديموقراطية مطالب مكافحة الفساد وضمان العدالة الاجتماعية، وربما أبعد من ذلك محاولة بلورة مشروع تنموي متكامل، يقوم على خلق حالة من التعبئة القوية لمجموع القدرات والطاقات، فك الارتباط مع التمويل الخارجي، وعدم الانفصال عن عمليات الإنتاج الاقتصادية
مستويات الفعل السياسي (من الاستثناء إلى المقاومة): تُنسب الانتفاضات العربية إلى ما يطلق عليه البعض "حركات الاحتجاج اللامؤسساتية" خارج النطاق الرسمي للدولة والمجتمع المدني. هذه الحركات هي التي تتبنى فعل المقاومة لأنها صاحبة المصلحة في التغيير. ولكي يكون المجتمع المدني قادراً على المقاومة/التغيير، فلابد من أن تتحلى منظماته بالاستقلالية والجماهيرية واعتماد مفهوم اللاعنف في المقاومة، باعتباره استراتيجية سياسية ناجعة في تحدى آليات الهيمنة والسيطرة.

المجتمع المدني الفلسطيني 2012: جردة حساب سريعة
واصل المجتمع المدني الفلسطيني عمله على ذات الأجندة التي عمل عليها طويلاً، ولاسيما في زمن الانقسام السياسي، والتي تتضمن برامج ومشاريع راوحت بين "الإغاثة والتنمية" بين حاجات المجتمع المحلي واشتراطات التمويل الخارجي، وبين محاولات هيمنة السلطة الفلسطينية بشقيها والمقاومة الخجولة وشبه المنظمة من قبل مؤسسات المجتمع المدني منفردة ومجتمعة. وإذا كان عام 2012 شهد محاولات مقننة، وأقل حدة مما كانت عليه سابقاً، للتدخل من أجهزة السلطة الفلسطينية ووزاراتها في شؤون منظمات المجتمع المدني، إلا أن هذه المنظمات واجهت، ربما لأول مرة منذ سنوات، مشكلة تراجع حجم التمويل وتغيير أجندته. والظاهرة الملفتة في هذا الصدد، عودة النقاش، بجرأة وعلى نطاق واسع، حول دور المجتمع المدني وعلاقته بالسياسة، وبالتالي علاقته بالسلطة والنظام السياسي وبوكالات المعونة الخارجية وبالمجتمع المحلي، وقد انعكس ذلك على انخراط المجتمع المدني في فعاليات وحملات للضغط والمناصرة والتأثير في الشأن العام.
ومع ذلك، لاتزال أنشطة منظمات المجتمع المدني تركز على تقديم الخدمات، في حين تتسم مشاركتها السياسة بالصعوبة والتعقيد وعدم الوضوح. وهي تعيش حالة دائمة من انعدام الأمن والطوارئ الناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي وممارساته المختلفة، وكذلك عن الانقسام الداخلي. ينقصها الصوت المشترك على الرغم من تجربتها العريقة، وتفقد طابعها الجماهيري، اي علاقتها الوثيقة بالمجتمعات المحلية، رويداً رويدا. كما ينقصها، إلى حد كبير، كفاءة أنظمة الحوكمة الداخلية والمساءلة والشفافية، وتشهد تعبيرات مختلفة لغياب الممارسات الديمقراطية داخلها.
المجتمع المدني الفلسطيني والفعل السياسي:
تظهر التجربة التاريخية للمجتمع المدني الفلسطيني أنه لطالما تضمنت برامجه وأنشطته بعداً سياسياً ووطنياً تحررياً. غير أن منسوب الفعالية السياسية سجل تراجعاً واضحاً منذ نشأة السلطة الفلسطينية، ليصل مرحلة الحياد (الجبن) السياسي والعزوف عن السياسة مع الانقسام وبتأثيره. وفي اعقاب اندلاع الانتفاضات العربية وبتأثيرها، يبدو أن هذا المنسوب يعود إلى الارتفاع التدريجي (رعاية الحراك الشبابي، حملات الضغط على السلطة ومؤسساتها، تبني النهج الحقوقي في التنمية) ومما يساعد على تعزيز هذا التوجه:
- نشأة هذا المجتمع في ظل الاحتلال، بالرغم منه وعلى التضاد معه، مقاومة محاولات الاحتواء التي مارستها أجهزة السلطة. ولذلك، حافظ دوماً على كونه أحد أهم محرضات الفعل الاحتجاجي اللامؤسسي وعلى روابطه بالفعل الشعبي وبالتجمعات المحلية.
- ما كان لمنظمات المجتمع المدني ونخبها أن تنفصل عن السياسة حتى لو رغبت، وإن مارستها أحياناً بطريقة غير سياسية. ولذلك، ظل المجتمع المدني الفلسطيني يمثل العملية الوحيدة تقريباً التي يتم بواسطتها أو من خلالها تفاوض الأفراد، حوارهم، نضالهم، ضد/مع بعضهم البعض، ومع مراكز السلطة ومع ممارسات الاحتلال. ولازال يشكل دينامية تغيير المجتمع من أسفل، عبر تشجيع التنظيم الذاتي، وتعزيز مشاركة الفئات المختلفة في الحيّز العام وتمكينها من ذلك
أجندة الفعل السياسي الفلسطيني:
من المأمول أن تتمكن منظمات المجتمع المدني من العودة لتمارس دورها المعارض/المقاوم بالاقتراب أكثر من حركات الاحتجاج اللامؤسساتية، ورعايتها، لتتحول إلى حركات اجتماعية، تقاتل على ثلاث جبهات:
أولاً: في الطريق إلى الدولة، أي مواصلة مسيرة الكفاح الوطني؛ وهي تتضمن: توسيع رقعة الصدام مع الاحتلال وممارساته (فعاليات المقاومة الشعبية، الملاحقة القضائية والجنائية لقادة الاحتلال وجنرالاته)، بناء وتطوير رؤية سياسية وإستراتيجية وطنية موحدة، تتضمن الهدف العام للنضال، وأساليب تحقيقه، وأخيراً مواصلة الجهد على المستوى العربي والإقليمي والدولي لحشد التأييد والضغط على إسرائيل، وتقديم الدعم لتعزيز الصمود.

ثانياً: في بناء أسس ومقومات الدولة، أي في استعادة الوحدة الوطنية، واستكمال بناء هياكلها ومؤسساتها، والاستمرار في عمليات التحول الديموقراطي بعد انقطاعها (الانتخابات، سن القوانين والتشريعات، مكافحة الفساد، ...)

ثالثاً: في تعزيز الصمود والدفاع عن الأرض، أي المحافظة على الوجود الفلسطيني فوق هذه الأرض، بوصفها أراض دولة تحت الاحتلال، في مواجهة محاولات الطرد والتهويد والضم وإضعاف سبل عيش الفلسطينيين، وتعميق التفاوت والاقصاء، وتكريس الانقسام والفصل.
يتضمن القتال على هذه الجبهات رذمة من الاستراتيجيات والأفعال:
- المساهمة الفعلية في عمليات الحوار وتقديم الأفكار والتصورات والبدائل
- التعبئة الشعبية المساندة للحوار والمراقبة للنتائج والمؤثرة في عمليات صنع القرار وتنفيذه
- مواصلة العمل على تقديم الخدمات للفئات المحرومة والمهمشة في المجالات الأساسية التي تتعلق بالبقاء والأمن وتلبية الحاجات الأساسية والوصول إلى الموارد والفرص والقرارات
- مواصلة العمل مع الشبكات الدولية وحركات التضامن لحشد مزيد من الدعم والتأييد

شروط الانتقال من الاستثناء إلى المقاومة (مجتمع مدني معارض)
- التحول من تقديم الخدمات إلى الحكم: يعتبر التحول نحو مزيد من التكامل بين أنشطة تقديم الخدمات وأنشطة المشاركة في الحكم، محلياً ووطنياً، بمثابة ضرورة ملحة، تنطوي على زيادة مشاركة منظمات المجتمع المدني في عمليات إعداد السياسة، في مراقبة تنفيذ السياسات وإدارة الخدمات العمومية، في تفعيل دور المجالس المحلية والبلدية في عملية التنمية، وفي دعم المشاركة المدنية في عملية صنع القرار
- استعادة طابعها الجماهيري وصلاتها بالقواعد الشعبية: تكتسب منظمات المجتمع المدني شرعية في القيام بدور مؤثر على مستوى الحكم، فقط بقدرتها على وضع وجهات نظر القاعدة الشعبية على طاولة حوار السياسات. إن إنعاش الفعل السياسي، سوف يعتمد بقوة من ناحية على قدرة منظمات المجتمع المدني لتحقيق مزيد من التكامل، وبناء رؤية مشتركة، ومن ناحية ثانية، إمكانية وجود تعاون أقوى بين هذه المنظمات على مختلف المستويات، وخاصة الإعتراف المتزايد بالجمعيات القاعدية من قبل المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، ليس كمستفيدين ومتلقي خدمة، وإنما كفاعلين مستقلين ونشطين.
- خلق بيئة تمكينية لوضع الأجندة المجتمعية: ستبقى قدرة المجتمع المدني على المساهمة في الفعل السياسي وحوار السياسات، محدودة طالما ظلت البيئة العامة غير تمكينية (انعدام الثقة بين الأطراف، الانقسام السياسي، ممارسات الاحتلال، تأثيرات المعونة الخارجية). ولذلك، يعتمد خلق مثل هذه البيئة، من بين أشياء أخرى، على قدرة الأطراف الخارجية (مثل الجهات المانحة والشركاء الدوليين) للقيام بدور نشط على صعيد إضفاء الشرعية على الأطراف المختلفة، وتهيئة الظروف لتعاونهم

أولويات الفعل السياسي ودور المجتمع المدني:
مثلما أظهرنا سابقاً، فإن قدرة منظمات المجتمع المدني على الاضطلاع بدورها في العمل على أولويات الفعل السياسي والاجتماعي، تعتمد على مدى تخلصها من طابعها "الإداري"، وإزاحة نخبها المحلية والمعولمة، المحافظة على استقلاليتها وجماهيريتها وتوسيع نطاق المشاركة وتواصل العمل على إحداث التغيير ومراقبته من أسفل.

أولاً: استعادة الوحدة الوطنية
(1) المصالحة المجتمعية:
تقع المصالحة في قلب العمليات السياسية المطلوبة في إطار الحوار واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، لكنها لن تأتي الا نتيجة لسلسلة من العمليات والإجراءات الكفيلة بإبراء جراحات الماضي، في إطار العدالة الانتقالية.
شروط ومبادئ:
- أن تكون شمولية وتتسم بالتوازن والإدماج والتركيز على الضحايا
- البدء بمعالجة الآثار الجسدية والنفسية للانتهاكات
- خلق توازن بين الجنسين في جميع اللجان المعنية بالحقيقة والمصالحة
- الإدراك الجيد للواقع الاجتماعي الراهن والماضي
- توافر إرادة المصالحة بالشكل الذي ينبغي أن يكون
الخطوات والعمليات:
- لا يمكن إتمام المصالحة المجتمعية إلا عبر استعادة الوحدة الوطنية ورأب صدع الخلاف السياسي، حيث يصدر عفو عام، لكنه مرتبط حكماً بمحاسبة كل من ارتكب جرائم مثبتة
- تكوين لجنة وطنية للمكاشفة والحقيقة، بمعايير التجربة العالمية، بحيث يتوفر لها الاستقلال اللازم، وتضم في عضويتها ممثلين عن المجتمع المدني وخصوصاً منظمات حقوق الإنسان، تعنى بسبل تعويض المتضررين، وتضع عناصر لميثاق شرف لتجنيب المجتمع الفلسطيني تكرار اللجوء إلى السلاح
- توفير ضمانات مؤسساتية وقانونية: بناء أنظمة وطنية عادلة وإصلاح القوانين ومراقبة الأداء الحكومي، إعادة بناء مؤسسات السلطة وخصوصاً الشرطة والأمن وتثقيف الموظفين العموميين في مجال حقوق الإنسان مع إعطاء الاهتمام الكافي لحقوق المرأة، اعتبار الخيار الديمقراطي خياراً لا رجعة فيه، توفير الإطار التشريعي الضامن لحياة سياسية سليمة قائمة على التعددية والتوازن بين السلطات.
(2) توسيع المشاركة العامة:
ثمة حاجة لتعزيز المشاركة في كل ما يتصل بالمسألة الوطنية والمسألة الديموقراطية والاجتماعية. وإذا كان من الصعب حل المسألة الديموقراطية والاجتماعية بالكامل، بسبب الاحتلال ونقص السيادة وغياب الدولة وواقع التشتيت المجتمعي، غير أنه، وبسبب من ذلك، لا يمكن تصور نجاح الفلسطينيين في تحقيق غايات وأهداف مشروعهم التحرري دون أن يتنكبوا طريق العدالة الاجتماعية وتكريس فكرة المواطنة وإدارة خلافاتهم بصورة سلمية كمبادئ عامة ناظمة لوجودهم الاجتماعي والكياني وأسس لمسعاهم الأساسي نحو إقامة دولة مستقلة، ديموقراطية وحديثة.

لماذا المشاركة العامة:
- تعزز المسؤولية الوطنية والاجتماعية
- تشجع الحوار العقلاني والتسامح والتعاقد الطوعي في المجال العام
- توازن بين ضغوط الخارج واستحقاقات الداخل
- تقلل من التفاوتات وتجعل الجميع "على قلب رجل واحد" في معركة التحرر
- تثري المعرفة وتصقل الخبرات وتعزز فرص توليد رؤى موحدة
- تشجيع الحوار والنقاش وصناعة رأي عام متفهم ومشارك
- تستبدل أشكال السلطة التقليدية بسلطة واحدة مفردة وعقلانية
- تضمن استدامة الانتاجية ودوام التغيير
- تفّعل إدارة المعرفة داخل المجتمع، وداخل النظام السياسي (توليد رؤى وتصورات مشتركة)

دور المجتمع المدني في تعزيز المشاركة كمبدأ، وممارسة، وحق:
المستوى القاعدي/الشعبي: تشجيع أي عمل طوعي ينخرط فيه أفراد المجتمع بهدف التأثير على عمليات صنع القرارات التي تتصل بحياتهم ومصالحهم، بما في ذلك المبادرات الذاتية
المستوى المجتمعي/الحيز العام: تعليم المواطنة والديموقراطية على المستوى القاعدي، وذلك بهدف التأثير على السياسات العامة، عبر الحملات المنظمة وأشكال الاحتجاج السلمي وطرح البدائل.
مستوى النظام السياسي: المساهمة في تطوير مفهوم الحكم الرشيد بوصفه تضافر جهود القطاع العام والأهلي والخاص. المجتمع المدني طرف أصيل، وذو مصلحة في بناء مثل هذه الشراكة وتطويرها في إدارة الدولة والمجتمع وتعزيز المسؤولية الاجتماعية.
(3) الاندماج السياسي:
المحافظة على شرعية النظام السياسي وضمان عدم انقسامه، مرة أخرى، تتطلبان الاتفاق على وضع ميثاق وطني يحدد ضوابط العمل السياسي والعسكري والنشاط الجمعياتي وشروطهما والاتفاق على القواسم المشتركة تسهم في صياغته كل الاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية. يمكن أن يتضمن الميثاق القضايا التالية: الهوية الوطنية وروافدها، مقومات النظام السياسي وأسس التعامل الديمقراطي داخله، نمط التنمية وسلوكيات التحاور الاجتماعي والتضامن الوطني، وثوابت الاستراتيجية السياسية الفلسطينية المشتركة (تطوير وثيقة الوفاق الوطني)
في الحالة الفلسطينية، التي تشهد عمليتين مركبتين هما الكفاح من أجل الاستقلال وبناء الدولة (بناء الأمة Nation-building)، يعتبر شرط بقاء النظام السياسي وقدرته على الإيفاء بوظائفه، هو الحصول على الدعم الشعبي (قبول الأفراد وكذلك مختلف الكيانات المجتمعية، وليس على القمع، وإن مورس قدر منه بوصفه "قهراً شرعيا"(. تشكل التنظيمات السياسية والجماعات المسلحة والمؤسسات المدنية وبعض البنى التقليدية (عائلية ودينية) أبرز الكيانات في المجتمع الفلسطيني المنخرطة بهذه الدرجة أو تلك في الحياة السياسية.
شروط الاندماج السياسي:
- صياغة معايير مقبولة ذات صلة بالسلوك السياسي والتزام بأنماطه المنسجمة مع تلك المعايير. تقاسم المعايير من قبل جميع الكيانات المجتمعية
- مراعاة ثقل أو وزن تلك الكيانات في النظام السياسي والحكومة
- التدريب على الروح العمومية وتجاوز الولاءات العضوية/الفئوية لصالح الولاء الوطني
- تقليص تأثيرات القوى الإقليمية والخارجية
- خلق الدعم من خلال توليفة من الانعامات الشخصية والتثقيف السياسي (وهنا تكمن أهمية المجتمع المدني والحركات الشعبية)
- الشرعية والاندماج يختلفان بصورة كبيرة بمرور الزمن، كنتيجة للتغييرات في نظرات السكان ومسالكهم، وهكذا في التأثيرات الخارجية، وفي السياسات التي تطبقها السلطات العامة
ثانياً: تعزيز الصمود (التنمية من أجل الصمود والمقاومة)
الاحتلال نافي للتنمية وقامع للحقوق الفردية والجماعية. وفي ظل استمرار ممارساته العدوانية الهادفة لإضعاف قدرات المجتمع والاستيلاء على مزيد من الأرض والموارد، يصبح الشرط الأساسي لمقاومته وعدم الرضوخ لقهره، تعزيز صمود الناس والمحافظة على بقاءهم فوق أرضهم.
الصمود هو كل ما يمكّن الناس من البقاء والتكيف في ظل أوضاع مأزومة وبيئة خطرة. من إستراتيجيات الصمود (بوصفه عملية إجتماعية ونفسية وثقافية، تتغير بتغير الظروف والأوقات): إعادة تعبئة الموارد بطرق جديدة وخلاقة، الاستثمار في الرأسمال الاجتماعي والتعبئة الشعبية.
اكتسب مفهوم "الصمود" في السياق الفلسطيني مضامين متنوعة، شملت التمسك بالأرض، تعزيز التكافل الاجتماعي وتطوير الاعتماد على الذات وتعبئة الموارد والطاقات المحلية وتشكيل المنظمات والجمعيات المحلية وغير ذلك. أما أبرز مرتكزات تعزيز الصمود (في مراحل الاستيعاب والاستجابة والتعافي) فهي:

(1) دعم شبكات الأمان الاجتماعي
(2) النظرة الإيجابية للمستقبل (الأمل بالمستقبل والرغبة في التغيير)
(3) التعلم (تطوير إستراتيجيات تكيف إيجابي مع التغيير)
(4) الخبرة المبكرة (تزود المهارات اللازمة للتكيف وبناء الشخصية)
(5) البنية التحتية والخدمات الأساسية
(6) الاحساس بالجدوى والمعنى (تطوير الهدف المشترك والرغبة في العمل بصورة جماعية)
(7) تشجيع الاقتصاد المتنوع والخلاق
(8) احترام الاختلاف وتشجيعه
(9) منظومة القيم والمعتقدات والقيادة

نحو نهج جديد في التنمية: التنمية من أجل الصمود
وجوهر هذا النهج هو تحدي الوضع الراهن ودعم السعي لنيل الحرية والحقوق وتقرير المصير. يشمل هذا النهج الأولويات التالية: تبني نهج السوق الاجتماعي، تعزيز سبل العيش الآمن والمستدام، تفعيل دور شبكات الأمان الاجتماعي، خلق بيئة مؤسساتية تمكينية، تشجيع الاعتماد الذاتي على الأغذية الأساسية، عكس اتجاه التراجع في القطاع الزراعي ودعم التعاونيات والمؤسسات الاقتصادية المحلية؛ ومساعدة قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات التي تستطيع كسر الحواجز التي أقامتها إسرائيل حول الاقتصاد الفلسطيني. أخيراً، يجب إرساء أسس أجندة مساعدات خارجية بديلة.

المراجع العربية:
(1) عزمي بشارة، أفكار لمقدمة الطبعة السادسة لكتاب "المجتمع المدني"، المركز العربي للدراسات، 12 يوليو 2012، على الرابط: http://www.dohainstitute.org/release/2b72039a-c713-41e1-be86-6de0c05ca900
(2) بنوا شالا "قوى المجتمع المدني المعارضة وظهور سياسة تخيلية جديدة في الوطن العربي"، سياسات (2011)، العدد 17-18
(3) جمال القرى، الغاء حالة الاستثناء العربي بين السوسيولوجيا والمجتمع المدني، الحوار المتمدن، محور: قراءات في عالم الكتب والمطبوعات، 29 إبريل 2012، على الرابط:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=305498
(4) جيفري غولدفارب، "سياسة الأشياء الصغيرة: قوة من لا قوة له في الأوقات الصعبة" على الصفحة الالكترونية www.popmatters.com/pm/review/politics-of-small-things
المراجع الإنجليزية:
(1) Mapping Study of Civil Society Organisations in the occupied Palestinian territory, Final Report, May 2011, link:http://eeas.europa.eu/delegations/westbank/projects/overview/index_en.htm
(2) Arab Uprisings: Challenges during Political Transitions and Comparative Lessons for Civil Societies in the Middle East and North Africa, Regional Workshop Consultation, Amman, 18-20 April 2012

(3) MARY KALDOR, The idea of global civil society, at link: http://c3co.org/research/wp-content/uploads/2011/06/Kaldor-The-Idea-of-G...

للحصول علي نسخة من ورقة العمل الرجاء تنزيلها من أسفل الصفحة

المرفقالحجم
المنتظر لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني (الضفة وغزة).pdf1.7 ميجابايت