التسامح بين الأخلاق والدين

فى موسوعة “لالاند” ، وعلى هامش المناقشات حول كلمة “تسامح” يذكر (ف.روسيل) أنه منذ عشر سنوات ، وبينما كان يلقى محاضرة فى كلية إكس – مرسيليا حول الشعور الدينى ، قادته الأسباب إلى دراسة ديانات اليابان ، بين أديان أخرى ، ودهش من التسامح السائد فى ذلك البلد ، حيث يمكن للفرد الواحد الانتماء إلى عدة أديان ، وحيث يسود الاقتناع بأن تلك الأديان متكاملة .
وتأكد له ذلك حين قرأ فى مجلة (Revue) فى عددها الصادر فى 1/11/1918 مقالاً لـ “فينو” Finot حول “الدين والأخلاق فى اليابان” قال فيه : “أن الاحترام الممنوح لكل الاعتقادات فى صورة تسامح نادراً ما يكون له نظير فى البلدان الأخرى ، يعود فى المقام الأول إلى استخلاص أقصى حد للفضائل والجمال من كل منها” .
ويقول فى موضع آخر : “لقد قامت الأديان المهيمنة الثلاثة بتقسيم مثالى للعمل . تهتم “الشنتوية Shintoism بالحياة الأخلاقية خصوصاً . وتحتكر “البوذية” التطلعات إلى العالم الآخر ، ويكملهما دين كونفوشيوس ، إذ يساعدهما على تأسيس قانون بوشيدو Buschido ، أو هذه المجموعة من مبادئ الفروسية الخاصة بالحياة اليومية” .
أن اليابانى المثقف يرى أن كل الأديان “متكافئة” وأنها كلها تستحق الاحترام عينه . وهو يندهش بعقله المتسامح من صراع المذاهب المسيحية – وحسب لالاند – فإن اليابانيين أكثر من متسامحين ، أو أنهم أحسن تسامحاً .. ذلك أنه يدخل فى احترام قناعة الآخر ، وفوق ذلك ، المودة تجاه ما هو حق فى التعابير الناقصة عن الحقيقة .
هل معنى ذلك أن “عدم التسامح” ملازم للأديان التوحيدية أو الابراهيمية كما يسميها البعض Religions of Abraham ؟ وأن الأديان القائمة على القانون أو تعدد الآلهة أكثر تسامحاً وأقل تعصباً ؟
عبر عن هذا الرأى المؤرخ الفرنسى “جوستاف لوبون” الذى قال : “أن مصر ظلت مثالاً للتسامح الدينى ، سواء من داخلها أو ممن غزاها . فهذا يعترف بديانة ذلك ، وذلك يعبد آلهة الآخر ، إلى أن جاءها المسيحيون ثم المسلمون فعرفت التعصب للحقيقة المطلقة .
وعلى الرغم من أن فى الأديان التوحيدية (اليهودية والمسيحية والاسلام) مادة خصبة لتقوية التسامح ، فلسوء الحظ لم تكن الممارسة التاريخية كما يعتقد كثير من الباحثين متسامحة على الدوام . وهناك من يرى أن الأمر ليس كذلك ، وإنما هو أعقد وأعمق ، فالمؤمنون بتعدد الآلهة فى العصور الكلاسيكية القديمة ، واجهوا مشكلات جمة فى تعايش المعتقدات الدينية المختلفة جنباً إلى جنب ، بصرف النظر عن عبادة الامبراطور التى كانت سياسية أكثر منها دينية . فالتسامح لم يكن قائماً على الوجه الأكمل كما يريد البعض أن يصوره ، أو يجعلنا نعتقده . فـ “سقراط” حكم عليه بالموت لأنه وثق بالصوت الذى فى داخله ، والذى كان متعارضاً مع آلهة مدينة أثينا “ .
ويذهب البعض إلى أن عدم التسامح يرتبط فى معظم الأحوال بما لدى العقائد المختلفة من طموحات سياسية . وأن التسامح كان يتم إذا لم يكن المعتقد يعبر عن ظاهرة سياسية . وأن تعايش الطاوية والبوذية والكونفوشيه فى الشرق الأقصى ، على سبيل المثال ، يمكن تفسيره بأنه ليست فى أية ديانة منها خطورة سياسية .
أما البعض الآخر فيرجع اللاتسامح أو التعصب إلى “الدوجما” Dogma ، وإلى الارتباط الانفعالى بالأبعاد الطقسية للدين ، أى دين ، أكثر من الارتباط ببناه العقلية ، وفى الحالتين يكون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ، وحيث لا يمكن أن يوجد أكثر من “مطلق” واحد ، فإن الصراع بين المطلقات سيظل قائماً حتى يقصى مطلق واحد جميع المطلقات الأخرى .
وقبل سنوات دعا الباحث اللاهوتى السويسرى “هانس كونج” Hans Kung فى دراسته القيمة “الأديان العالمية والروح العالمية” إلى البحث عن المشترك بين الأديان العالمية لإظهار الروح التى تميز هذه الأديان من أجل التواصل والتفاهم بين البشر .
وكونج هو أحد أبرز وجوه الفكر الكاثوليكي المعاصر، ويتميز بميوله الإصلاحية ومواقفه النقدية الصريحة التي، وإن واجهت معارضة شديدة من الكنيسة، فإنها لاقت صدى واسعا في البلدان الانجلوساكسونية والجرمانية، الأمر الذي مكنه من أن يغدو أحد مستشاري الأمم المتحدة في الشؤون الدينية، وخاصة ما يتصل منها بالحوار بين الأديان السماوية.
وكان جُل ما أظهره من أمور مشتركة يندرج تحت حقل الأخلاق ، خاصة “القاعدة الذهبية “التى سبق الإشارة إليها : يقول كونفوشيوس : “لا تعامل الآخرين بما لا تريد أن يعاملوك به” . وفى اليهودية : “لا تعامل الآخرين بما لا تريد أن يضطروا إلى معاملتك به” . وفى المسيحية : “عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به” . وفى الإسلام : “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” .
لكن “كونج” لم يقل أن هذه الأمور المشتركة تنفى الاختلافات بين الأديان ، وإنما قال بوجوب وضع قواعد مشتركة تقضى على الأخلاقيات المختلفة والمتناقضة والتى تعادى بعضها بعضاً . وهذا الرأى يتبع موروث الإيمان بالقانون الطبيعى الذى يفترض أن للقانون والأخلاق مصدراً واحداً مشتركاً ، هو القدرة على فهم الخير بواسطة العقل الطبيعى .
وعلى النقيض من هذا الموروث يعكس “التنوير” أنه ضمن المجتمع العالمى ، تتعايش التوجهات الأخلاقية والدينية المتنوعة ، وأنها لمهمة القانون أن تتيح للتنوع أن يتعايش . و “هردر” هو أكثر مفكرى القرن الثامن عشر وشعرائه تمتعا بعمق الفهم والإحساس بذلك ، فكل شعب فى نظره صوت فردى يشارك فى “هارمونية” عالمية شاملة تضم الجميع بأديانهم وأخلاقياتهم وثقافتهم . ونحن نصادف فى مجموعة أغانى هردر القومية ، أغانى تمثل الثقافات المختلفة ، من جرمانية وسلافية وكلتية وسكاندنافية وليتوانية وتركية .
وكانت وراء هذه النزعة الإنسانية الكونية روح دينية عالمية جديدة ، زادتها قوة فقد ذهب شلايرماخر إلى القول بـ “الدين العالمى” ، ووضع نظرية له فى كتابه “أحاديث عن الدين” ودافع عنها فى هذا الكتاب ، الذى يضم كل أنواع المعتقدات والعبادات . وأصبح من المستطاع انطواء جميع “كفار” العصور الغابرة تحت لواء هذا المثل الدينى الأعلى . وذكر شلايرماخر أن سائر الاختلافات الدوجماطيقية تبدو غير ذات موضوع فى نظر أى مشاعر دينية حقة . فالدين محبة ، ولكن هذه المحبة لا تتجه إلى هذا أو ذاك أو إلى موضوع متناه أو خاص ، أنها تتجه إلى العالم ، إلى اللاتناهى” .
أما “هانس كونج” فيقول : “أن كل الأديان تقدم الإجابة عن معنى الكلية والحياة والتاريخ بلغة الواقع النهائى The Ultimate Reality الذى يجد نفسه محسوساً فى الدنيا سواء جرى تصوره على أنه البعث فى (اليهودية) أم الحياة الأبدية (المسيحية) أم الفردوس (الإسلام) ، أم موشكا (الهندوسية) أم النيرفانا (البوذية) أم الخلود (الطاوية) .
ولكن ليس بإمكان المرء أن يقول بأن الموضوع المشترك فى كل هذه الأديان هو النرفانا أو الفردوس أو موشكا أو ما إلى ذلك ، بل أن الدقة تقتضى التفرقة ، لا بين “براهما” و “الله” و “الطاو” حيث تختلف المصطلحات وحسب ، بل بين المفاهيم المتعددة التى يستخدم لها مصطلح “الله” نفسه . فـ “الله” بمعنى العلة الأولى عند بعض الفلاسفة هو غير “الله” عند المسلمين والمسيحيين واليهود . وهذا ما أدركه “بليزبسكال” حين قال: “أريد إله ابراهيم واسحق ويعقوب لا إله الفلاسفة” .
هكذا نجد أن الأخلاق والدين من حيث المبدأ “مفهومان متمايزان كل التمايز بالرغم من ما يبدو من صلتهما الوطيدة . فالدين عبارة عن معتقدات وممارسات تنظم سلوك الإنسان تجاه عالم المقدسات وتزوده برؤية شمولية للكون ، وموضع الإنسان فى هذا العالم . أما الأخلاق فهى قواعد وممارسات تنظم سلوك الأفراد بعضهم تجاه بعض وتجاه الجماعة التى يشكلون أعضاءها . والأصل فى الأخلاق استقلالها عن الدين” . وارتباط الأخلاق ببعض الأديان ليس مسألة حتمية فى تاريخ الدين . ويمكن العثور لدى المجتمعات البدائية على ما يشبه الأخلاق الدينية ، وذلك فى “التابو” Taboo الذى يمكن أن يشكل نقطة اتصال فيما بين الأخلاق الاجتماعية والأخلاق الدينية ، ونستطيع أن نتبين فيها الأخلاق الدينية بشكل جنينى .
ومع ذلك تظل محاولة “كونج” جديرة بالاحترام والتأمل ، فقد نشر كتاباً عنوانه : “نحو أخلاق عالمية : إعلان أولى حول القواعد الأخلاقية المشتركة التى وافق عليها فى اتفاقية 1993 الممثلون غير الرسميين لزهاء مائة ديانة مختلفة . وفى تاريخ أحدث ، فى اتفاقيتى أسيزى وروما ، وافق الممثلون الرسميون للأديان العالمية الرئيسية على مجموعة من القيم المشتركة . وفى ديسمبر 1995 التأم اجتماع عدة آلاف من أصحاب الأديان والعقائد المختلفة فى كاتدرائية سان جيوفانى فى لاترانو (أقدم كاتدرائية فى روما) لمقابلة آرائهم على مسألة السلام العالمى .
هكذا أسفرت مقررات مجمع الفاتيكان الثانى 62-1965 ، وأثمرت ، إذ صححت النظرة إلى باقى الأديان والطوائف ، وأجمع المؤتمرون على مبدأ شمولية الخلاص من منطلق أن لا أحد يمتلك الحقيقة ، لأن الحقيقة بصفتها حقيقة ، هى التى تملكنا .
وحسب “كونج” فإن الحوار العقائدى قائم بذاته ، ولا يحتاج إلا إلى استراتيجية كشف واعلان للقواسم المشتركة ، والجهد ، ما لم يسخر فى سبيل مزيد من المعرفة المتبادلة والاحترام والمحبة المتبادلة بغية توسيع المشروع الأخلاقى الذى يخدم بدوره مشروع السلام العالمى ، أى أنه إذا لم يتحول المجتمع العالمى بأسره ساحة للحوار ، يبقى الأخير رهن الشعارات العقيمة وجلسات التملق والزيف والمجاملة .
ويمكن أن يفهم من كلام “كونج” أن أية محاولة لضغط تنوع الأديان على سرير “بروكرست” للفهم الواحد المشترك يحرم الحوار بين الأديان من بعده الحاسم ، وقد يؤدى إلى التعصب . الأمر الثانى أن الحوار منظومة شاملة لا تقتصر على الأديان فقط وإنما تمتد إلى السياسة والمجتمع بجميع فئاته وطوائفه وطبقاته وأحزابه .

حاكم بدرجة قديس (14)

لابد من الترحال شرقًا إلى الهند، وتحديدًا إلى مدينة "بنارس"، ليس من أجل رؤية الأبقار المقدسة، فهذه ليست إلا سياحة، وإنما من أجل رؤية التعايش السلمي لأكثر من ألف عقيدة دينية من مختلف الملل والنحل في آسيا، فيها كل ما جاء عن التسامح في الأديان جميعًا بما فيها (الأديان السماوية الثلاثة).
هذا التعايش السلمي هو ثمرة تراث هندي قديم عن التسامح، ينطوي على التقدير المتبادل للمقدس، وهو موقف وجداني متعقل إلى أقصى مدى. مما يؤكد أن هذا الموقف لم ينشأ في المجتمعات العصرية المتقدمة، وخاصة في الغرب، وإنما يرد أساسًا لذلك الرجل الذي لم يكن مجرد سلكان عظيم في الهند القديمة، بل كان من أعظم الرجال في التاريخ الإنساني، وهو "الإمبراطور" (أشوكا) .
قندهار ... اشوكا
ينحدر أشوكا من أسرة موريا Mayrya الحاكمة، فنجده شاندرا جوبتا مؤسس هذه الأسرة قد أشعل نيران الحرب ضد اليونان الذين احتلوا الشمال الغربي من الهند أيام حكم الاسكندر الأكبر، وانتصر على سليكوس بنكتار عام 321 ق. م أي بعد سنتين من موت الإسكندر. وفي هذا العصر ذاعت البوذية في الهند بالإضافة إلى البراهمية، وبالأخص في الجانجز Ganges على الرغم من أن مؤسس البوذية اسمه سدارتا جواتاما وهو من عائلة نيبالية.
والبوذية من الناحية النظرية، هي رد فعل ضد الميتافيزيقا البراهمية، ومن الناحية العلمية، هي حركة إصلاح ضد الخلقيات المنحلة. بيد أ البوذية منذ نشأتها تحمل في طياتها الإخاء البشري.
أما أشوكا، المولود عام 304 ق. م، فقد أشعل حربًا تسمى حرب كالنجا، وانتصر عام 262 ق.م ولكنها كانت رهيبة إلى الحد الذي قرر أن يحكم، في مستقبل الأيام بروح رحيمة، وينشر القانون الخلقي في ربوع الإمبراطورية التي امتدت إلى الغرب.
هذا القانون الخلقي يسمى "دارما"، وهو منقوش على الصخور والأعمدة حيث يعم جميع البلاد. وقد عين موظفين مخصوصين لمراعاة احترام هذا القانون، ثم تحول أشوكا إلى البوذية. ويقال إنه بدونه ما انتشرت البوذية في سيلان واليابان والتبت والصين وأصبحت من أكثر الأديان انتشارًا في العالم على الرغم من أنها لم تكن كذلك في الهند، موطن مولدها، وأغلب الظن أن هذا مردود إلى عقلية أشوكا المتسامحة.
لقد أصبح أشوكا ملكًا بفضل التسامح والقدرة على الحكم والإدارة، وبفضل سلوكه الخلقي، وليس بفضل القوة العسكرية. إنه بفضل ذلك كله يعد رجلاً لكل العصور. كان مشغولاً برفاهية شعبه وسعادته. فقد غرس أشجار الفاكهة في جميع طرق البلاد، وترك الفقراء يقطفونها بلا مقابل. لقد مارس التسامح، وبالأخص في معناه اللاتيني: تخزين الطعام من أجل الفقراء. وأوصى باحترام المخلوقات جميعًا، والتعايش في سلام، والزهد في الفائض.
كان أشوكا أول وأعظم بطل من أبطال التسامح تجاه جميع العقائد الدينية. فلم يقحم نفسه في سلسلة من الحروب كما فعل داوود، ولم يكن ملكًا – شاعرًا مترفًا مثل سليمان الحكيم وكانت قوانين حامورابي قد سنت عام 2100 ق.م، ولكن مذهب أشوكا الخلقي الذي يتجاوز القانون قد غير قوانين حمورابي. وكان أ فلاطون قد أعلن أن جمهورية الفلاسفة – الملوك – لم تكن قائمة ولن تكون في حين أن أنوشكا جسد شريعته في دولة حقيقية ويعتبر التسامح، ابتداء من حكم أشوكا، من أهم المبادئ العدلية التي تستند إليها الأخلاق في الهند ... وكل من يعرف الهند يشهد على هذه الحقيقة، بل يمكن القول إن الهند هي حاملة شعلة السلوك الخلقي الأصيل، وهذا هو ما يميزها عن الغرب. فالغرب، على الضد من الهند، ليس متسامحًا، وذلك بسبب تراثه اليوناني واليهودي والمسيحي المحمل بالدوجما والمثقل بالتابو.
لقد كتبت تشريعات أشوكا باللغة البراكريتية، لغة الشعب، وليس السنسكريتية وهي لغة البراهميين. وكانت البراكركيتية هي لغة الشعب في التبت وكراكوروم، ونجدها أيضًا على النقود التي كان يصكها ملوك اليونان في باكتريا في الفرس القديمة. واستخدام لغة الشعب دليل على سماحة أشوكا.
وكان أشوكا يطلق على نفسه إما "حبيب الآلهة" أو "ملك بيريادارسي" وبالإضافة إلى تعليم شعبه، أرسل البعثات إلى البلدان الأجنبية، مثل سوريا ومقدونية، ولهذا فإذا قيل عن الحضارة الهيلينية أنها تتسم بالتسامح فهذا مردود إلى تأثر ملوك البحر المتوسط بالقانون الأخلاقي المسمى "دارما" وكان من الممكن مشاهدة مقتطفات من كتابات أشوكا باللغة اليونانية والآرمية في "قندهار".
يقول أشوكا إن جوهر القانون يكمن في معرفة الإنسان لذاته واحترامه للآخر. ومسؤولية كهذه، حيث التسامح لم يكن يعني اللامبالاة بل يعني البحث عن الأفضل، لم تكن معروفة في أي مكان من العالم.
هذه امثلة لبعض نصوص التشريعات
على الصخرة رقم 13:
إن محبوب الآلهة، وقاهر الكالنجيون نادم الآن إذ هو يحس بحزن عميق وأسى لأن غزو شعب إنما يعني القتل والموت والتشريد .. إن البشر جيمعًا متساوون في سوء العاقبة ... ولهذا فإن ملك بريادارسي يرى أن الغزو الأخلاقي هو الأهم ... وقد حقق الملك هذه الغاية في أماكن على بعد خمسة آلاف كيلو متر حيث يحكم ملك انيتوخ، والملوك الأربعة تورامايا وانتيكيني وماكاو واليكاسودارا، حتى سيلان (الأربعة أسماء المذكورة مرادفة للأسماء التالية: بطليموس الثاني، فيلادلفوس المصري، انيتجونوس جوناتاس المقدوني، ماجاس الكريتي، والإسكندر القبرصي).
على العمود رقم 7: "في الماضي ... لم تتقدم أخلاق الشعب".
على الصخرة رقم 6: "ليس أهم (من انتشار دارما) .. ومع ذلك فهذه مسألة شاقة"
على العمود رقم 2: "دارما تعني الشفقة والحرية والصدق والنقاء".
على الصخرة رقم 12: "إن ملك بريادارسي يبجل العقائديين جميعًا .. وقد يتخذ هذا التبجيل أشكالاً عدة، ولكن جذوره تقوم في حفظ اللسان من مدح معتقدك وذم معتقد الآخرين بدون لياقة أو بدون تطرف".
"علينا تبجيل الآخرين لسبب أو لآخر. وبفضل هذا الوئام يمكن للبشر أن يتعلموا دارما بتقدير وتوقير".
كان أشوكا ينبذ العدوان، ويخاطب الشعب بقوله "أيها الأصدقاء"، وهذا الأسلوب في مخاطبة الشعب متبع في الهند إلى يومنا هذا، فرئيس الجمهورية الراحل الفيلسوف راداكريشنان كان يبدأ خطابه إلى الشعب بهذه الكلمة "أيها الأصدقاء"
إن الهند سبقت الغرب بألفي عام في كل ما يتصل بالأخلاق وبهذا الموقف الوجداني المتعقل، إن مفهوم "دارما" منتشر في الغرب وحسب من وجهة نظر الغربيين يرون أنهم دائمًا على حق.

الهوامش

1. مادة (س.م.ح) : فى لسان العرب لابن منظور ، دار المعارف ، القاهرة 1979 ، ص 2088
2. الفيروز آبادى : القاموس المحيط ، دار إحياء التراث العربى ، ج1 ، ص 46 .
3. سيد عطاء الله مهاجرانى : التسامح والعنف فى الإسلام ، ترجمة : سالم كريم ، رياض الريس للكتب والنشر ، ط1 ، بيروت ، ابريل 2001 ، ص 40 ، 42 .
4. القرآن الكريم ، سورة الأعلى ، الآية 8 .
5. الإمام الفخر الرازى : التفسير الكبير ، ج31 ، ص 143 ، 144 .
6. محى الدين بن عربى : تفسير القرآن الكريم ، دار الأندلس ، بيروت ، بدون تاريخ ، ج2 ، ص 796 .
7. صحيح البخارى : كتاب المناقب ، الحديث رقم 27 ؛ وكتاب الأدب الحديث رقم 80 ، وكتاب الحدود، الحديث رقم 10 ؛ وصحيح مسلم : كتاب الفضائل الحديث ، 77 ، 78 . انظر : المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوى ؛ ج 7 ، ص 364 – 370 .
8. ابن رشد : فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ، تحقيق : البير نصرى نادر ، بيروت 1995 ، ص 35 .
9. محمد علال سى ناصر : ابن رشد .. العقل والتسامح ، فى رسالة اليونسكو ، العدد 304 ديسمبر 1986 ، طبعة القاهرة ، ص 24 .
10. لؤى صافى : العقيدة والسياسة ، سلسلة قضايا الفكر الإسلامى (11) ، المعهد العالمى للفكر الإسلامى ، هيرندن ، فيرجينيا ، الولايات المتحدة 1996 ، ص 68 .
11. سمير الخليل (وآخرون) : التسامح بين شرق وغرب ، ترجمة : ابراهيم العريس ، دار الساقى – بيروت ، ط1 ، 1992 ، ص 5 .
12. Tinder (G) : Tolerance, Toward a New Civility, Amherst: Univ. Of Massachusetts Press, 1976, p. 3.
13. بيتر نيكولسون : التسامح كمثال أخلاقى ، دار الساقى بيروت ، 1992 ، ص 28 ، نقلاً عن : محمود حميدة محمود : فلسفة التسامح ، دراسة تاريخية معاصرة ، دار الهانى للطباعة والنشر ، القاهرة 2000 .
14. أندريه مرسييه: التسامح كأمر فلسفي، ضمن أبحاث المؤتمر الإقليمي الأول للمجموعة الأوروبية العربية للبحوث الاجتماعية عن التسامح الثقافي، المحور مراد وهبة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1987، ص 46 – 49.

المراجع

أولا : المراجع العربية

1 – القرآن الكريم .
2 – الكتاب المقدس .
3 - ابن رشد : فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ، تحقيق : البير نصرى نادر ، بيروت 1995 .
4 – باومر (فرانكلين - ل) : الفكر الأوروبي الحديث ، الاتصال والتغير فى الأفكار ، ترجمة : د. أحمد حمدي محمود ، أربعة أجزاء ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1987 .
5 – بدوى (عبد الرحمن) : الموسوعة الفلسفية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1996 .
6 - بلوخ (ارنست) : فلسفة عصر النهضة، ترجمة : الياس مرقص ، دار الحقيقة ، بيروت ، ط1 ، 1980 .
7 - بوبر (كارل) : بحثاً عن عالم أفضل ، ترجمة : د. أحمد مستجير ، الألف كتاب الثاني (210) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1996 .
8 - بونيفاس (باسكال) : إرادة العجز ، ترجمة : حليم طوسون ، كتاب العالم الثالث ، دار العالم الثالث ، القاهرة 1996
9 - جارابون (انطوان) : القانون واللغة الجديدة للتسامح ، مجلة ديوجين ، العدد 176/120 .
10 – جونسون (أ) : فلسفة وايتهد فى الحضارة ، ترجمة الدكتور عبد الرحمن ياغى ، المكتبة العصرية ، صيدا ، بيروت 1965 .
11 – جيمس (وليم) : بعض مشكلات الفلسفة ، ترجمة د. محمد فتحى الشنيطى ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر ، 1957 .
12 – حنا (ميلاد) : قبول الآخر ، الإعلامية للنشر ، ط4 ، القاهرة ، 2002 .
13 - الخطيبى (عبد الكبير) : السياسة والتسامح ، ترجمة : عز الدين الكتانى الأدريسى ، المشروع القومى للترجمة (102) المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1999 .
14 – الخليل (سمير) : التسامح بين شرق وغرب ، ترجمة : إبراهيم العريس ، دار الساقى ، بيروت ، ط1 ، 1992 .
15 - ديفارج (فيليب مورو) : العولمة ، ترجمة : كمال السيد ، شركة الخدمات التعليمية (على الشلقانى) بالتعاون مع المركز الثقافى الفرنسى بالقاهرة ، مطابع الأهرام التجارية ، 2001 .
16 - راندال (جون هرمان) : تكوين العقل الحديث ، ترجمة : جورج طعمة ، جـ1 ، دار الثقافة – بيروت 1965 .
17 – رسل (برتراند) : تاريخ الفلسفة الغربية ، ترجمة د. محمد فتحى الشنيطى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1977 .
18 - روبرتسون (رونالد) : العولمة .. النظرية الاجتماعية والثقافة الكونية ، ترجمة : أحمد محمود ، نورا أمين ، مراجعة وتقديم : محمد حافظ دياب ، المشروع القومى للترجمة (78) المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة 1998 .
19 – زكريا (فؤاد) : اسبينوزا ، دار التنوير للطباعة والنشر ، ط2 ، بيروت ، 1983 .
20 - زيناتى (جورج) : رحلات داخل الفلسفة الغربية ، دار المنتخب العربى ، بيروت ، ط1 ، 1993
21 - ستون (أى . أف) .: محاكمة سقراط ، ترجمة ، نسيم مجلى ، المشروع القومى للترجمة (316) ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 2002 .
22 - السواح (فراس) : دين الإنسان ، بحث فى ماهية الدين ومنشأ الدافع الدينى ، دار علاء الدين ، دمشق 1999 .
23- سى ناصر (محمد علال) : ابن رشد .. العقل والتسامح ، رسالة اليونسكو ، طبعة القاهرة ، العدد 304 ديسمبر 1986 .
24- صافى (لؤى) : العقيدة والسياسة ، سلسلة قضايا الفكر الإسلامى (11) ، المعهد العالمى للفكر الإسلامى ، هيرندن ، فيرجينيا ، الولايات المتحدة 1996 .
25- عبدالله (عصام ) : التسامح ، الطبعة الأولي ، دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي ، القاهرة ، 2006 . الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مشروع مكتبة الأسرة ، 2006 .
26- عبد الله (عصام) : العقيدة المجردة فى الفكر الغربى الحديث ، مركز زايد للتنسيق والمتابعة ، دولة الإمارات العربية المتحدة ، مارس 2002 .
27- عوض (لويس) : ثورة الفكر فى عصر النهضة الأوروبية ، مركز الأهرام للترجمة والنشر ، القاهرة ، 1987 .
28- فتجنشتين (لودفيج) : رسالة منطقية فلسفية ، ترجمة : الدكتور عزمى إسلامى ، مراجعة وتقديم : الدكتور زكى نجيب محمود ، مكتبة الانجلو المصرية ، 1968 .
29- كاسيرر (أرنست) : الدولة والأسطورة ، ترجمة : د. أحمد حمدى محمود ، مراجعة أحمد خاكى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1975 .
30- كانط (إيمانويل) : نقد العقل المحصن ، ترجمة ، موسى وهبة ، مركز الإنماء القومى ، بيروت ، 1989 .
31- أيوانا كوجورادى : التسامح وحدود التسامح الدينى ، مجلة ديوجين ، العدد 176 / 120 .
32- لالاند (أندرية) : الموسوعة الفلسفية ، تعريب : خليل أحمد خليل ، تعهده وأشرف عليه أحمد عويدات ، ثلاث مجلدات ، ط2 ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس ، 2001 .
33- لوك (جون) : رسالة فى التسامح ، ترجمة : منى أبو سنة ، تقديم ومراجعة : مراد وهبة ، المشروع القومى للترجمة (28) ، المجلس الأعلى للثقافة ط1 ، 1997 .
34- ليسنج : تربية الجنس البشرى ، ترجمة وتعليق وتقديم : د. حسن حنفى ، دار الثقافة الجديدة ، القاهرة ط1 ، 1977 .
35- محمود (محمود حميدة) : فلسفة التسامح : دراسة تاريخية معاصرة ، دار الهانى للطباعة والنشر ، القاهرة ، 2000 .
36- مهاجرنى (سيد عطاء الله) : التسامح والعنف فى الإسلام ، ترجمة : سالم كريم ، رياض الريس للكتب والنشر ، ط1 ، بيروت ، ابريل 2001 .
37- نيكولسون (بيتر) : التسامح كمثال أخلاقى ، دار الساقى – بيروت ، 1992 .
38- هابرماس (يورجن) : الإيمان والعلم ، مجلة فكر وفن ، معهد جوته ، الطبعة العربية ، يناير 2002 .
39- هازار (بول) : أزمة الضمير الأوروبى ، ترجمة : جودت عثمان ، محمد نجيب المستكاوى ، مقدمة طه حسين ، دار الشروق ، 1987 .
40- وهبة (مراد) : التسامح الثقافى ، أبحاث المؤتمر الإقليمى الأول للمجموعة الأوروبية العربية للبحوث الاجتماعية ، مكتبة الانجلو المصرية ، 1987 .
41- وهبة (مراد) : ملاك الحقيقة المطلقة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة ، 1999 .

ثانيا : المراجع الأجنبية

1 - Birger A. Pearson & James E. Goehringm edit: The Roots of Egyptian Christianity, Philadelphia, 1986
2 – Dodd C.H.: The Parables of the Kingdom, London, 1961 .
3 – Gilkey (L) : ldea of God Since 1800, in the Dictionary of the History of Ideas, 3vols, New York, 1973 .
4 - Goodenough, ward H: Cultural Anthropology and Linguistics. In Dell H. Hymes (ed.), Language in culture and society: A Reader in Linguistic and Anthropology Harper, New York, 1964 .
5 - Huntington (S) : “The Clash of Civilization”, Foreign Affairs. U.S.A., Summer 1993 .
6 - McCarthy (T): The Critical Theory of Jurgen Habermas Hutchinson, London, 1988 .
7 - Rawls (J): The Theory of Justice, New york, 1971 .
8 - Tinder (G) : Tolerance, Toward a New Civility, Amherst: Univ. Of Massachusetts Press, 1976 .