أخبار عاجلة
الرئيسية / اصدارات / تقارير ودراسات / التقرير الثاني حول متابعة الإجراءات والبيئة المحيطة بالعملية الانتخابية

التقرير الثاني حول متابعة الإجراءات والبيئة المحيطة بالعملية الانتخابية

100 يوم قبل انطلاق الانتخابات الرئاسية رسميا

تحليل للسياقات التشريعية والسياسية والاقتصادية والأمنية   

مرصد الانتخابات الرئاسية بمؤسسة ماعت

 ” مصر 2018 “


الملخص التنفيذي

مائة يوم تقريبا تفصل  المصريين عن الحدث السياسي الأهم والأبرز والمتمثل في الانتخابات الرئاسية التي ستنطلق مراحلها رسميا في الثامن من فبراير 2018 وفقا للإطار الدستوري الحاكم ، ورغم أن ملامح وطبيعة المنافسة الانتخابية لم تتبلور بعد على الأرض ، ولم يعلن أي طرف من الأطراف التي يتطلع إليهم الناس بوصفهم مرشحين محتملين – بمن فيهم الرئيس الحالي السيد عبد الفتاح السيسي – عزمه الأكيد على خوض غمار المنافسة الانتخابية، إلا أن هناك تطورات مؤسسية وتحركات شعبية تكشف عن جانب من الطبيعة المتوقعة لهذه المنافسة .

في هذا الإطار يصدر مرصد الانتخابات الرئاسية بمؤسسة ماعت ” مصر 2018 ” تقريره الثاني حول متابعة الإجراءات والبيئة المحيطة بالعملية الانتخابية والذي يتناول الترتيبات القانونية المؤسسية والمواقف السياسية والشعبية قبل مائة يوم من انطلاق العملية الانتخابية رسميا ، حيث يستعرض التقرير الواقع الدستوري والقانوني الحالي والذي لم يطرأ عليه أي تعديل سوى بإقرار قانون الهيئة الوطنية للانتخابات وصدور قرار رئيس الجمهورية بتشكيلها من أعضاء هيئات قضائية وفقا لما هو منصوص عليه في الدستور والقانون ، كما يتناول التقرير في هذا الصدد قانون الطوارئ الذي تم تمديد العمل به لفترة ثالثة تنتهي قبل موعد انطلاق مراحل الانتخابات الرئاسية بحوالي  شهر ، وذلك في سياق الإجراءات القانونية التي تتخذها السلطات المصرية لمكافحة الإرهاب الذي تنشط تنظيماته على الساحة المصرية من بعد ثورة 30 يونيه 2013 ، وارتكبت خلال الأعوام الأربعة الماضية مجموعة كبيرة من الجرائم التي أثرت على المناخ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في مصر ، وراح ضحيتها مئات المصريين من رجال الشرطة والجيش والمواطنين المدنيين .

ويطرح التقرير قضية غياب الإعلان الرسمي من مرشحين محتملين ذوى ثقل في الشارع رغم وجود حملات شعبية تحظي بظهير حزبي وزخم سياسي لمطالبة الرئيس الحالي بالترشح ، وحملات أخرى تتبني وجهة نظر مناهضة ، وتلميحات من مقربين من مرشحين رئاسيين سابقين أو مسئولين كبار في أنظمة الحكم التي تعاقبت على البلاد بعد 25 يناير 2011 تشير إلى نيتهم في الترشح ولكن دون إعلان صريح من أيا منهم  ، في مقابل مبادرة أسماء غير مشهورة بإعلان ترشحها للمنصب الرئاسي .

إن المتابعة الأولية للوضع الراهن قبل 100 يوم من الانتخابات الرئاسية تشير إلى أن البيئة الدستورية والقانونية الحالية توفر إطار تنافسي ولا تضع عوائق أمام إقامة انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف وإدارة هيئة مستقلة وأعضاء هيئات قضائية بالكامل ، وحتى مع تطبيق قانون الطوارئ ، فإنه لم توثق – حتى الآن –  أي حالات لاستخدامه في تعطيل إجراءات مرشح محتمل أو حملة لمرشح بعينه ، ولكن مع ذلك فإن أجواء المنافسة الانتخابية من منظورها السياسي تبدو غير بارزة  حتى الآن ولا تتسق مع قرب انطلاق العملية رسميا ، فالتجارب الانتخابية السابقة في مصر أو حتى المتعارف عليها دوليا تقول بأنه قبل مائة  يوم من الانتخابات يكون المرشحون المحتملون قد حسموا مواقفهم ، والقوى السياسية والشعبية أعلنت مواقفها إلا أن ذلك لم يحدث في مصر حتى الآن .

أيضا ، من زاوية أخرى ، وغم تشكيل الهيئة الوطنية للانتخابات ، إلا إنها لم تستكمل بنائها المؤسسي حتى صدور هذا التقرير ، حيث لم يتشكل جهازها التنفيذي ، ولم تستقر على مقر دائم لها ، ولم تعلن عن اللوائح الإدارية والتنظيمية والمالية الحاكمة لعملها وهو ما يشكل تحديا كبيرا مع اقتراب العملية الانتخابية .

تابع المرصد خلال الفترة الماضية قيام عدة مبادرات وحملات شعبية تحت عنوان دعم الرئيس السيسي في مقابل الإعلان عن حملة معارضة واحدة يتزعمها الناشط السياسي المهندس ممدوح حمزة ، ورغم تباين الآراء  والتقييم السياسي والقانوني لهذه الحملات ، إلا إننا رصدنا قيام بعض المسئولين التنفيذيين بدعم بعض حملات الرئيس السيسي ، في حين رصدنا قيام بعض المسئولين أيضا برفض التجاوب مع ممثلي ومنسقي هذه الحملات .

على المستوى الحزبي فإن الأحزاب مقسمة ما بين الدعم المطبق للرئيس الحالي والمعارضة للسياسات القائمة دون تقديم مرشح بديل يتبني سياسات متوافقة مع أيديولوجية ورؤية هذه الأحزاب ، وبخلاف حزب الإصلاح والتنمية الذي يدعم المرشح المحتمل محمد أنور السادات ، فإن بقية الأحزاب المعارضة لم تستفيد من البيئة القانونية المناسبة لعملها وزيادة أعدادها لتصل إلى 104 حزب في الإلتفاف حول مرشح منافس أو أكثر .

الأوضاع الاقتصادية  الحالية من المتوقع أن تلعب دورا في العملية الانتخابية من خلال تأثيرها على برامج المرشحين أو على فرص المرشح المحتمل الأبرز الرئيس الحالي السيد عبد الفتاح السيسي الذي تصدي لبرنامج إصلاح مالي حظي بدعم وتقدير المؤسسات المالية الدولية ، لكنه أدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية وضغط الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة وقلص من الدعم الذي تخصصه الدولة لبعض السلع والخدمات الأساسية منذ عقود طويلة .

كما أن الأوضاع الأمنية هي الأخرى قد تلعب دورا في الانتخابات القادمة ، خاصة في ظل تنامي الخطر الإرهابي والمواجهة الأمنية للتنظيمات الإرهابية والتكفيرية التي تنشط في منطقة شمال سيناء الحدودية ، كما نشطت مؤخرا في الصحراء الغربية مدفوعة بالتوتر الحادث في ليبيا .

الواقع التشريعي الراهن للانتخابات الرئاسية المصرية

أولاً، القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية

تجري الانتخابات الرئاسية وفق عدة قوانين تتسق مع مواد دستور 2014، وعلي رأسها قانون الهيئة الوطنية للانتخابات 198 لسنة 2017 ، وهي الهيئة المسئولة بشكل أساسي بالإشراف ومتابعة جميع مراحل العملية الانتخابية، مع مراعاة أحكام قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية الصادر برقم 22 لسنة 2014، وهو القانون الذي لم يجرى تعديله حتى الآن ليتواكب مع إنشاء الهيئة الوطنية للانتخابات التي حلت محل لجنة الانتخابات الرئاسية ، وكذلك قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 45 لسنة 2014، والمعدل بقانون رقم 92 لسنة 2015 ، وفيما يلي عرض للجوانب التي تنظمها هذه القوانين والمواد الحاكمة في الدستور المصري :

  • شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية

حددت المادة 140 من الدستور فترة رئاسة الجمهورية بأربع سنوات، كما أكدت علي عدم جواز إعادة انتخاب الرئيس المنقضية ولايته لأكثر من مرة واحدة، فيما أقرت المواد 141، 142 شروط الترشح لرئاسة الجمهورية وأبرزها أن يكون المرشح مصرياً ومن أبوين مصريين، وألا يكون قد حمل هو أو أياً من والديه أو زوجه جنسية دولة أخرى، وألا يقل عمر المرشح عن أربعين سنة ميلادية. ومن أبرز شروط الترشح كذلك أن يزكى المرشح عشرون عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس النواب، أو أن يؤيده ما لا يقل عن خمسة وعشرين ألف مواطن ممن لهم حق الانتخاب في خمس عشرة محافظة على الأقل. وبحد أدنى ألف مؤيد من كل محافظة منها. وذلك بالتوافق مع المواد الأولى والثانية من قانون الانتخابات الرئاسية رقم 22 لسنة 2014، والخاصة بشروط الترشح.

يتناول الفصل الثالث من قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية رقم 22 لسنة 2014، ” المواد من 10-17″  إجراءات الترشح بمنصب رئيس الجمهورية، بما في ذلك سرد الأوراق المطلوب تقديمها للجنة العليا للانتخابات وأهمها إقرار بأنه لم يسبق الحكم عليه في جناية أو في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة وإن كان رد إليه اعتباره، الأمر الذي ورد في المادة الأولى من نفس القانون، وهو الشرط المثير للجدل، نظراً لوجود جملة” وإن كان قد رد إليه اعتباره”، أي أنه حتى لو اتضح أن المتهم برئ وتم رد اعتباره، لا يحق له التقدم للترشح. فمن غير المنطق أن يحرم شخص من الترشح وقد اتضحت براءته، الأمر الذي قد يساهم في حرمان عدد كبير من الأشخاص من حقهم في الترشح بسبب هذه المادة.

وفي ذات السياق، حددت المادة الأولى من قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 45 لسنة 2014، من يحق له مباشرة الحقوق السياسية، ومن يعفى منها، أما المادة الثانية من القانون فقد نصت علي حرمان 11 فئة من مباشرة الحقوق السياسية بشكل مؤقت أو حتى زوال سبب الحرمان، من ضمنها الأشخاص الصادر ضدهم أحكاما نهائية في أي قضية تمثل جناية، كما أن فترة الحرمان بالنسبة للأشخاص الصادر بحقهم أحكام قضائية نهائية، حددها القانون بخمس سنوات، ولا يسري الحرمان إذا رُد للشخص اعتباره، أو وقف تنفيذ العقوبة بحكم قضائي. وتم تعديل هذه الفقرة في قانون رقم 92 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية الصادر بالقرار بقانون رقم 45 لسنة 2014، وقانون مجلس النواب الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 2014″، لتصبح 6 سنوات بدلاً من 5 سنوات.

  • الهيئة الوطنية للانتخابات

حددت المواد 208، 209، 2010 من الدستور، دور واختصاصات الهيئة الوطنية للانتخابات بدءاً من تشكيلها وحتى اختصاصات عملها واختيار أعضائها، كما أشارت إلي أن تقديم الطعون علي قرارات الهيئة يكون أمام المحكمة الإدارية العليا التي تختص بالفصل في الطعون المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية. وفي الحادي عشر من أكتوبر 2017، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتشكيل الهيئة، برقم 503 لسنة 2017، برئاسة المستشار لاشين إبراهيم، وتم تشكيل باقي أعضاء الهيئة. ولعل أبرز ما أثير حول قانون الهيئة الوطنية للانتخابات، أن المادة 12 أتاحت الطعن على قرارات الهيئة خلال 48 ساعة من إعلان القرار، حيث تختص المحكمة الإدارية العليا بالفصل فيها، وعلي الرغم من دستورية هذه المادة، إلا أنها تفتح المجال أمام الطعن علي جميع قرارات اللجنة. وجدير بالذكر أن قرارات اللجنة العليا للانتخابات في الماضي كانت غير قابلة للطعن، أما قرارات الهيئة الوطنية فتخضع للطعن، أخذا في الاعتبار ان تحصين قرارات لجنة الانتخابات الرئيسية في السابق كان مثار انتقاد سياسي وحقوقي واسع .

وتتضمن اختصاصات الهيئة، إصدار القرارات المنظمة لعمل الهيئة نفسها، وتنفيذ عملية الاستفتاءات والانتخابات وفقا لأحكام القوانين والأسس والقواعد المتعارف عليها دوليا، وإعداد قاعدة بيانات الناخبين من واقع بيانات الرقم القومي وتحديثها وتعديلها وتنقيتها ومراجعتها بصفة مستمرة دوريا، ودعوة الناخبين للاستفتاءات والانتخابات وتحديد مواعيدها ووضع الجدول الزمني لكل منهما، بمراعاة الحالات المنصوص عليها في الدستور، وفتح باب الترشح وتحديد المواعيد الخاصة بالإجراءات والمستندات والأوراق المطلوب تقديمها عند الترشح، وتلقى طلبات الترشح وفحصها والتحقق من استيفائها للشروط المطلوبة والبت فيها وإعلان أسماء المترشحين، فضلاً عن إعلان نتيجة الاستفتاء أو الانتخاب. أي أن الهيئة الوطنية هي المسئول الأول عن إدارة ومتابعة جميع مراحل العملية الانتخابية.

وجدير بالذكر أنه بإقرار قانون الهيئة الوطنية للانتخابات، فإنه تم استبدال مصطلح ” الهيئة الوطنية للانتخابات” بكلاً من ” اللجنة العليا للانتخابات، لجنة الانتخابات الرئاسية”، كما يتم إلغاء الفصل الثاني في كلاً من قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية، وقانون مباشرة الحقوق السياسية ” وهو الفصل الذي يتحدث عن اللجنة العليا للانتخابات ولجنة الانتخابات الرئاسية”.

  • ضوابط الدعاية الانتخابية وسقف الدعاية

حدد قانون رقم 22 لسنة 2014 بتنظيم الانتخابات الرئاسية، الفصل الرابع منه بعنوان ” ضوابط الدعاية الانتخابية”، والتي جاء من أبرزها حظر استخدام المباني والمنشآت ووسائل النقل المملوكة للدولة أو شركات قطاع الأعمال العام والقطاع العام بأي شكل من الأشكال في الدعاية الانتخابية، وكذلك حظر استخدام المصالح الحكومية ودور العبادة والمدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية. وشمل نفس الفصل أن تقوم وسائل الإعلام المملوكة للدولة بتحقيق المساواة بين جميع المرشحين في استخدامها للدعاية الانتخابية.

غير أن أبرز ما ورد في هذا الفصل  يتمثل في الحد الأقصى للإنفاق علي الدعاية الانتخابية التي حددتها المادة 22 من القانون 20 مليون جنيه لكل مرشح، ولجولة الإعادة 5 ملايين جنيه، الأمر الذي يثير الدهشة، ويولد حالة من عدم التكافؤ بين المرشحين، فمن يستطيع إنفاق مبلغ يصل إلي 20 مليون جنيه للدعاية، لن يتساوى بالطبع مع مرشح آخر لا يملك بضع آلاف من الجنيهات، وبالتالي ستؤدي هذه  الدعاية إلى ترجيح كافة مرشح بعينه. وفي ذات السياق، ورغم تحديد القانون ألا يتجاوز مقدار التبرع من أي شخص 2% فقط من الحد الأقصى للإنفاق، إلا أن هذا الشرط يمكن التحايل عليه من خلال تعدد جهات التبرع “ولو علي الورق”، الأمر الذي سيعمل علي زيادة وجود المال السياسي، وتأثيره علي العملية الانتخابية.

وفي ذات السياق، أوضح الفصل الرابع من قانون مباشر الحقوق السياسية ” ضوابط الدعاية في الانتخاب والاستفتاء”، وتوضح المواد من 23-  31، حق المرشح في الدعاية الانتخابية وعرض برنامجه الانتخابي، كما تحدد مدة الدعاية والصمت الدعائي والحد الأقصى للإنفاق علي الدعاية، وتلقي التبرعات، فيما حددت المادة 29 حق استخدام وسائل الإعلام المملوكة للدولة بما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز بين المترشحين. وأكدت المادة 30 علي حظر خرق مرحلة الصمت الانتخابي، فيما تكفلت المادة 31 بسرد قائمة بمحظورات الدعاية ومن أهمها استخدام الشعارات الدينية أو استغلال دور العبادة والجامعات والمدارس والمرافق العامة، أو استخدام المباني والمنشآت ووسائل النقل المملوكة للدولة أو لشركات قطاع الأعمال.

  • ضوابط التغطية الإعلامية ودور منظمات المجتمع المدني

وفيما يتعلق بالتغطية الإعلامية، كفلت المادة 32 من قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، مجموعة من الضوابط للتغطية الإعلامية وفق مبدأ الموضوعية، وألزمت المادة 33 وسائل الإعلام بمجموعة من الضوابط في حالة نشر استطلاعات الرأي، وألزمتها بالكشف عن الجهة التي قامت بالاستطلاع وتولت تمويله، بينما حددت المادة 37 جزاء مخالفة ضوابط التغطية الإعلامية، حيث أقرت بتشكيل لجنة تتابع ما ينشر أو يذاع في الإعلام، وإذا ثبت أية مخالفة يتم إلزام وسيلة الإعلام بنشر اعتذار وتعهد بعدم ارتكاب أي مخالفة، كما تحدد هذه اللجنة فترة زمنية لا يسمح فيها للجهة الإعلامية بأية تغطية عن الانتخاب. ومن ناحية أخرى، حظرت المادة 34 علي شاغلي المناصب السياسية ووظائف الإدارة في الدولة الاشتراك في الدعاية الانتخابية، فيما حظرت المادة 35 تلقي تبرعات من جهات محددة كالشخص الاعتباري أو دولة أو جهة أجنبية أو منظمة دولية.

كما أكد القانون علي دور منظمات المجتمع المدني في متابعة الانتخابات، حيث أشارت المادة 38 إلي أن تقوم منظمات المجتمع المدني المصرح لها، خلال خمسة عشرة يوماً من النتيجة النهائية للاستفتاء أو الانتخاب، بالتقدم للأمانة العامة بتقرير موثق عن مشاهداتها وما تقترحه من توصيات.

واستمراراً لدور منظمات المجتمع المدني أثناء عملية الاقتراع والفرز، فقد أكد قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية في مادته 28، علي السماح بحضور مندوبي وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني المصرح لهم، بحضور عملية الفرز وإعلان نتيجته بما لا يعيق عمل اللجنة.

  • إجراءات الاقتراع والفرز

يتناول الفصل الخامس من قانون الانتخابات الرئاسية، المواد ” من 27-40″  إجراءات الاقتراع والفرز، بالتشابه مع قانون مباشرة الحقوق السياسية، خاصة فيما يتعلق بفترة الاقتراع التي حددتها القوانين بيوم واحد أو أكثر، الأمر الذي أثار الجدل، فقد كشفت المادة 43 من قانون مباشرة الحقوق السياسية، عن تحديد فترة الانتخاب بيوم واحد أو أكثر بداية من التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساءاً، فإذا وجد داخل جمعية الانتخاب ناخبون حتى التاسعة مساءاً، يحرر كشف بأسمائهم وتستمر عملية الانتخاب حتى إبداء آرائهم.الأمر الذي يحتوي علي قدر من عدم الشفافية، فالأولى أن يتم إجراء الانتخابات في يوم واحد، ويفضل أن يكون عطلة رسمية، ليتمكن جموع المواطنين بالمشاركة علي مدار اليوم دون الحاجة إلي التكدس مساءاً مع موعد الخروج من العمل وغيره، كما أن كلمة يوم واحد أو أكثر فضفاضة أكثر من اللازم، فلم تحدد يوم أو اثنين أو ثلاثة، الأمر الذي يتيح مد فترة التصويت لأكثر من يوم بلا أية قيود.

فيما حددت المواد من 44- 47 من قانون مباشرة الحقوق السياسية، عملية إدلاء الناخب بصوته، وكيف يكون الصوت باطلاً، وقد كشفت علي نقطة ذات أهمية بالغة وهي الحالة الوحيدة التي تسمح لرئيس اللجنة الفرعية بمساعدة الناخب علي التصويت، فإذا كان الناخب من ذوي الاحتياجات الخاصة علي نحو يمنعه من إثبات رأيه بنفسه في البطاقة، فله أن يبدي رأيه علي انفراد لرئيس اللجنة الفرعية الذي يثبته بنفسه في البطاقة. أي أنه لا يوجد ما يسمح لرئيس اللجنة الفرعية أو أياً كان داخل اللجنة الانتخابية أن يساعد من لا يقرأ أو يكتب في الإدلاء بالتصويت، فالمساعدة مقصورة علي ذوي الاحتياجات الخاصة ممن لا يقدر بمسبب أن يدلي بصوته بنفسه.

وحددت المواد من 48- 51 من ذات القانون، مراحل عملية الفرز في اللجنة الفرعية، ثم تجميع الأصوات في اللجنة العامة، وكذلك سبل تصويت المصريين بالخارج والتي يتم تحديد موعدها قبل الانتخابات في مصر بيوم واحد، ويلي ذلك إعلان النتيجة من قبل اللجنة العليا للانتخابات دون غيرها، وذلك خلال خمسة أيام من تاريخ تسلم اللجنة العليا سائر أوراق اللجان العامة، وقد يضاف إلى هذه المدة يومان إذا كان هناك تظلمات. ويتم نشر النتيجة النهائية في الجريدة الرسمية وفي جريدتين يوميتين واسعتي الانتشار. وبعد إعلان النتيجة، نظم القانون آلية شطب المرشح وكيفية التظلم من إجراءات الاقتراع والفرز وذلك من خلال المواد من 52- 55.

  • الضبطية القضائية لرؤساء اللجان الانتخابية

أوضحت المواد ” من 58 – 60″ في الفصل السابع من قانون الانتخابات الرئاسية، عدة أحكام ختامية، أبرز ما بها هو إعطاء كل رئيس من رؤساء اللجان الانتخابية صفة الضبطية القضائية، فيما يتعلق بإثبات الجرائم التي تقع في عملية الانتخاب.

فيما منح قانون مباشرة الحقوق السياسية، من خلال المادة 71 منه، كلاً من رئيس وأعضاء اللجنة العليا، رئيس وأعضاء الأمانة العامة، رئيس لجنة الانتخابات بالمحافظات وأعضائها من الجهات والهيئات القضائية، رئيس وأعضاء اللجنة العامة، رئيس اللجنة الفرعية، صفة الضبط القضائي.

  • قاعدة بيانات الناخبين والموطن الانتخابي

بينما تناول الفصل الثالث لقانون مباشرة الحقوق السياسية في المواد من 13 – 22، جميع ما يتعلق بقاعدة بيانات الناخبين، والتعديل الذي يطرأ عليها، وبيان الموطن الانتخابي لجميع المواطنين، كما شرحت كيفية تقديم الطعن إذا لم يعثر مواطن يحق له التصويت عن اسمه في قاعدة بيانات الناخبين.

وأجمع كلاً من قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، وقانون الانتخابات الرئاسية علي تحديد الموطن الانتخابي بالنسبة للقضاة المشرفين على الاستفتاء وكافة العاملين بالمجمع الانتخابي، بأن يكون هذا المجمع موطنًا انتخابيًا لهم.

  • العقوبات

كفل قانون مباشرة الحياة السياسية من خلال الفصل السابع منه ( المواد من 65- 73) توضيح جرائم الانتخاب والعقوبات الواردة طبقاً لكل خرق لقواعد الانتخابات، مع مراعاة أحكام الفصل السادس من قانون الانتخابات الرئاسية المواد ” من 41 – 57″ الذي يتناول العقوبات المقررة علي جميع المخالفات والخروقات المحتمل حدوثها خلال فترة الانتخابات. فيما أثارت عدة مواد للجدل بشكل كبير، منها تحديد المادة 57 لغرامة 500 جنيه لمن لم يدلي بصوته رغم وجوده في قاعدة بيان الناخبين وتخلف بدون عذر، دون تحديد ماهية هذا العُذر، وبالتالي إلزام الناخب بالتصويت غير إلزامي بالضرورة، كما تطرح هذه المادة تساؤل هل التصويت حق أم واجب، فعلي الرغم من إشارة المادة 87 من الدستور بأن المشاركة واجب وطني، فإنه يصبح التزاما قانونيا يترتب علي عدم ممارسته العقاب. وعموما فإن الدول الديمقراطية العريقة تتعامل مع التصويت باعتباره حقا فرديا أما الدول النامية وحديثة الاستقلال فكثير منها يعتبره واجبا ملزما مثل مصر، وإن كانت تتراخي في إلحاق العقاب بمن لا يذهب للتصويت.

ثانياً، قانون الطوارئ وتأثيره علي الانتخابات الرئاسية

أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرارا جمهوريا بإعلان حالة الطوارئ في عموم البلاد لمدة 3 أشهر جديدة، اعتبارا من الثالث عشر من أكتوبر 2017، وهي المرة الثالثة خلال هذا العام، وذلك من أجل حفظ الأمن ومحاربة الإرهاب. غير أن هذا القرار كان له مرود سياسي واجتماعي كبير بالتزامن مع بدء الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها عام 2018. وعلي الرغم من أهداف هذا القرار المثير للجدل، إلا أن تفعيله قبيل البدء في الانتخابات الرئاسية، قد يستخدم للتشكيك في نزاهة الانتخابات وحياديتها، ورغم أنه لم توثق حالات حتى الآن بتأثير القانون على المنافسة الانتخابية ، إلا أن هناك تخوفات من إنه لو استمرت حالة الطوارئ قد تتضرر حملات المرشحين وحملاتهم  الدعائية ، وقد يفتح الباب لتعسف السلطة التنفيذية وجهات إنفاذ القانون إزاء مرشحين بعينهم

البيئة المؤسسية للانتخابات الرئاسية – تشكيل الهيئة الوطنية للانتخابات

بعد طول انتظار وترقب حول تشكيلها، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرار برقم 503 لسنة 2017، وذلك في الحادي عشر من أكتوبر، بتشكيل الهيئة الوطنية للانتخابات برئاسة المستشار لاشين إبراهيم، وتم تشكيل باقي أعضاء الهيئة. وتصل اختصاصات الهيئة إلى 24 اختصاصا، منها إصدار القرارات المنظمة لعمل الهيئة نفسها، وتنفيذ عملية الاستفتاءات والانتخابات وفقا لأحكام القوانين والأسس والقواعد المتعارف عليها دوليا، وإعداد قاعدة بيانات الناخبين من واقع بيانات الرقم القومي وتحديثها وتعديلها وتنقيتها ومراجعتها بصفة مستمرة دوريا، ودعوة الناخبين للاستفتاءات والانتخابات وتحديد مواعيدها ووضع الجدول الزمني لكل منهما، بمراعاة الحالات المنصوص عليها في الدستور، وفتح باب الترشح وتحديد المواعيد الخاصة بالإجراءات والمستندات والأوراق المطلوب تقديمها عند الترشح، وتلقى طلبات الترشح وفحصها والتحقق من استيفائها للشروط المطلوبة والبت فيها وإعلان أسماء المترشحين، فضلاً عن إعلان نتيجة الاستفتاء أو الانتخاب.

وعلي الرغم من أهمية الهيئة الوطنية للانتخابات، واختصاصها بإدارة العملية الانتخابية بشكل كامل وشامل، إلا أن الحكومة لا تزال تبحث حتى الآن علي مقر دائم للهيئة، فمنذ الاجتماع الأول الذي عقد بمقر مؤقت للتعريف بأعضاء الهيئة والاتفاق علي آلية العمل، لم يتم تحديد موعد الاجتماع الثاني بسبب عدم وجود مقر دائم للهيئة، الأمر الذي سيقف عائقا أمام ممارسة الهيئة لأعمالها أو عقد اجتماعاتها، وفق ما صرح به المستشار لاشين إبراهيم رئيس الهيئة.

ونتيجة لعدم الاستقرار علي مقر للهيئة، فلم يتم تشكيل الجهاز التنفيذي للهيئة، الذي سيكون على عاتقه تنفيذ أي قرار للهيئة، ولذلك لا تستطيع الهيئة أن تصدر أي قرارات إلا بعد تشكيل هذا الجهاز. ومن المفترض أن يتم تشكيل الجهاز من مدير تنفيذي وثلاث نواب له ، يصدر بهم قرار من رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح يرشحهم مجلس إدارة الهيئة، لمدة 4 سنوات يجوز تجديدها لمرة واحدة.

ولم يحدد القانون عدد أعضاء الجهاز التنفيذي للهيئة، بل نص على أنه بخلاف المدير التنفيذي والنواب الثلاثة، يضم عددا كافيا من الأعضاء يتم اختيارهم من بين أعضاء الجهات والهيئات القضائية والعاملين المدنيين بالدولة وذوى الخبرة وذلك وفقا للقواعد التي تضعها الهيئة ، فضلا عن أن القانون أحال لمجلس الهيئة بشكل كامل الاختصاصات المتعلقة بإقرار اللوائح التنظيمية والمالية لعمل الهيئة وهو ما لم يتم البت فيه حتى الآن .

لذلك يجب بحث الأمور المتعلقة بتشكيل الهيئة والعثور علي مقر دائم لها وإقرار لوائها الداخلية الحاكمة في أقرب وقت ممكن، حتى تباشر الهيئة أعمالها بما يتسق مع الدستور، وتحقيقاً لأقصى درجات الشفافية والنزاهة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الحراك الشعبي والسياسي

شهدت الأيام الماضية مبادرة أحزاب وشخصيات عامة ورجال أعمال وسياسيون تدشين حملات لدعم الرئيس السيسي ومطالبته بالترشح في الانتخابات القادمة، وتشابهت الحملات في مسمياتها بشكل كبير، وهو أمر طبيعي نظراً لدعمها نفس الشخص، وقد خرجت رسمياً حتى الآن 9 حملات لدعم الرئيس السيسي وهي ” مع السيسي للحصاد”، ” مؤيدون”، ” دعم وترشيح السيسي”، عشان تبنيها”، ” مواطن يدعم رئيس”، ” معك من أجل مصر”، ” معاك من أجل مصر”، ” كمل يا سيسي”، ” السيسي استقرار وتنمية”.

وقد برزت من بين تلك الحملات حملة ” عشان تبنيها” التي سرعان ما انتشرت في جميع المحافظات، بسبب حصولها علي دعم غالبية نواب البرلمان وإعلان حزب مستقبل وطن فتح جميع مقراته علي مستوى الجمهورية لشباب الحملة، فيما انضم إلي الحملة فنانون وكتاب وسياسيون ونقابيون، الأمر الذي أدى إلي انتشارها في وقت قصير.

وقد أثارت حملات دعم الرئيس السيسي ردود فعل متباينة في الشارع المصرية ، فهناك من يراها حق لا يتعارض مع القانون وتحركات سياسية مشروعة لدفع الرئيس للترشح وتعبير مشروع عن دعمه ،  بينما طرح معارضون للرئيس السيسي تساؤلات حول الهدف من كل هذه الحملات، والتسابق من أجل إظهار الولاء والدعم للرئيس السيسي رغم شعبيته. فليس هناك حاجة لإظهار حجم دعم السيسي من خلال استمارات مطبوعة تكلفت ملايين الجنيهات، ويتحمل كُلفتها رجال أعمال ونواب برلمان دون داع، فالانتخابات لن تُحسم إلا من خلال صناديق الاقتراع ومن خلال عملية تصويت سرية تضمن الشفافية والنزاهة، وليس من خلال استمارات مطبوع عليها الرقم القومي، ولن يعترف بها قانونياً.

ويبدو أن هذه الحملات وإن صدُقت نواياها ، إلا أنها قد تؤدي إلي نتائج عكسية، فقد تسببت هذه الحملات في زيادة الاعتقاد لدى عامة المواطنين بأن الرئيس السيسي سوف يحسم الانتخابات القادمة ومن الجولة الأولى وهو ما قد يثبط همم المنافسين المحتملين ويخفض معدلات المشاركة في العملية الانتخابية .

إلا أن أبرز الخروقات القانونية التي تم رصدها في هذه الحملات  هو مشاركة أعضاء في الحكومة بالتوقيع علي استمارات التأييد وهو ما قام به بعض وكلاء الوزارات في بعض المحافظات ، فضلا عن استقبال محافظ الإسماعيلية لأعضاء الحملة في مكتبه وهو ما يعد مخالفة للقانون ، إلا إنه في ذات السياق تم رصد مؤشرات إيجابية متمثلة في رفض بعض المسئولين التنفيذيين التوقيع على استمارات الحملة من أبرزهم محافظ قنا ورئيس جامعة أسيوط .

في نفس الوقت تقدم المرشح المحتمل للرئاسة محمد أنور  السادات بشكوى رسمية لرئيس الهيئة الوطنية للانتخابات موضحاً أنه كلف مؤيديه بعمل استمارات مماثلة تحت مسمى ” بنحب السادات ” فلم يتم السماح لهم بجمع توقيعات أو التواجد في هذه المصالح بل تم تهديدهم والتحرش بهم من قبل مندوبي أجهزة الأمن ومسئولي هذه المصالح بحجة أن الانتخابات لم تبدأ وأننا في حالة طوارئ والتي من المفترض أن يتم تطبيقها على جميع المرشحين دون استثناء وفق قوله.

ثانياً، المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية القادمة .. المنافسة الغائبة

علي الرغم من عدم إعلانه الترشح رسمياً حتى الآن، إلا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يعد المنافس الأول في الانتخابات القادمة دون أدنى شك، خاصة في تصريحه الأخير رداً علي سؤال حول نيته الترشح فأجاب قائلاً” إذا ما أراد الشعب المصري ذلك”، وتحقيقاً لتلك الإرادة، خرجت العديد من الحملات الداعمة للرئيس السيسي من خلال جمع توقيعات علي ملايين الاستمارات، كي تدفع الرئيس السيسي نحو الترشح لفترة ولاية ثانية. ويستحوذ الرئيس السيسي علي دعم غالبية أعضاء مجلس النواب والحكومة والأحزاب ، فيما يدعمه العديد من رجال الأعمال، ويظهر ذلك جلياً في الحملات التي تقوم بدعمه.

وفي المقابل، كان يعتقد بأن الفصائل المعارضة لسياسات الرئيس الحالي  ستقوم بطرح أو دعم مرشحين منافسين  ،إلا أنه حتى الآن لم يعلن أيا من المنتمين لهذا القوى – بخلاف النائب السابق محمد انور السادات – عن خطط انتخابية واضحة  ، بل أن كثير من المبادرات التي طرحت خلال العامين الماضيين من تيارات معارضة لم يعد لها وجود سياسي ملموس على الأرض حاليا و، وهو ما حدث على سبيل المثال مع ” مبادرة الفريق الرئاسي” التي تصدى لها عالم الفضاء المصري ومستشار الرئيس السابق الدكتور عصام حجي  وبدأت بزخم كبير ، إلا أنها لم تستطع الحفاظ على استمرارية نشاطها وتتحول إلى مشروع مرشح رئاسي .

ولازالت بعض الشخصيات العامة التي تتمتع بقدر من الشعبية والتي تشير تكهنات على نيتها للترشح لم تعلن ذلك بصورة رسمية ومن بينهم المحامي الحقوقي خالد علي ، والمرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق وكذلك المرشح السابق ورئيس حزب مصر القوية عبد المنعم أبو الفتوح ، ورئيس الأركان السابق سامي عنان ، ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة .

في نفس الوقت الذي أعلنت فيه بعض الشخصيات الأخرى الأقل حظا من حيث الشهرة والتنظيم نيتها للترشح للرئاسة ومن هؤلاء  الدكتور محمد محي الدين، وهو نائب سابق بمجلس الشورى وعضوا في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور التي تشكلت إبان حكم جماعة الإخوان المسلمين ، وطبيب يدعي باسم السواح ، ومحامي ناصري يدعي عاطف النجمي .

وقد تابع المرصد خلال الفترة الماضية  إعلان الناشط السياسي الشهير  المهندس ممدوح حمزة، عن تشكيل “جبهة التضامن للتغيير” من أجل الإعداد لمرشح ينافس السيسي في الانتخابات، وقد أكد حمزة، أن الجبهة لن تضم أي ممثل للتيار الديني،  لكن هذه الجبهة لم تعلن حتى الىن عن تحركات جدية يمكن أن تقود إلى مرشح منافس للرئيس السيسي .

ثالثاً، موقف الأحزاب السياسية من الانتخابات الرئاسية

في الوقت الذي تعد فيه الأحزاب السياسية هي المحرك الأساسي لأية عملية انتخابية، ومن صلب اختصاصها الدفع بمرشحين في جميع الانتخابات ولاسيما الرئاسية، الأمر الذي يؤدي إلي وجود تنوع في الرؤى والأفكار، مما يخلق بيئة تنافسية ديمقراطية بين الأحزاب، وهو ما يجب ان  ينعكس بدوره علي نتيجة الانتخابات الرئاسية، فكلما زادت المنافسة، ازدادت معها فرص وصول الأفضل إلي الحُكم. إلا أن مصر تشهد خلال الفترة الحالية، بيئة حزبية تتسم بالجمود والتقوقع  بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.

فبدلاً من تسارع الأحزاب السياسية نحو تجهيز مرشح سياسي لكل حزب أو كل تكتل حزبي، للمنافسة علي منصف الرئيس، وخاصة في ظل استقرار الأوضاع القانونية للأحزاب واتساع قاعدتها لتصل إلى 104 حزب  ، فقد انقسمت الأحزاب ما بين مؤيد للرئيس الحالي وداعم للحملات المطالبة بترشيحه مرة أخرى ، أو الإنشغال بصراعاتها الداخلية وتصدير خطاب سياسي وإعلامي معارض دون تقديم بدائل صالحة للمنافسة على المنصب الرئاسي ، وهو ما قد يضعف فرص هذه الأحزاب في الانتخابات القادمة لو قررت في وقت لاحق الدفع بمرشحين ، وهو ملا ينطبق جزئيا على حزب الإصلاح والتنمية الذي يدعم رئيسه الحالي محمد انور السادات.

الأوضاع الاقتصادية والأمنية وتأثريها علي الانتخابات الرئاسية

أولاً، الأوضاع الاقتصادية الحالية قبيل الانتخابات الرئاسية

تلعب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية دورا مهما في تشكيل البيئة الانتخابية سواء الرئاسية أو البرلمانية أو المحلية ، فقد تصبح هذه الأوضاع عاملا حاسما في المنافسة الانتخابية على المنصب الرئاسي ، إذ أنها تحدد طبيعة برامج المرشحين وخطابهم السياسي، كما تؤثر بشكل كبير في اتجاهات التصويت ومدى المشاركة في العملية الانتخابية بشكل عام .

وقد تعرض الاقتصاد المصري للكثير من الأزمات منذ عام 2011، والتي تسببت في تدهور الحالة الاقتصادية وتدني مستوي المعيشة لنسبة كبيرة من أفراد الشعب المصري، وهو ما كان له تأثيره المباشر على حالة الخدمات العامة وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بتقديمها بالجودة الملائمة .

وقد فشلت الحكومات المتعاقبة من بعد ثورة يناير 2011 وحتى منتصف عام 2014 في اتخاذ إجراءات أو تبني سياسات قادرة على وقف حالة التراجع الاقتصادي وإصلاح الهياكل الاقتصادية الرئيسية ، وهو ما أدى لتراجع حاد في إيرادات الدولة خاصة من قطاع السياحة التي تمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة ، وتفاقم عجز الموازنة العامة للدولة مع التوسع في اللجوء لأدوات الدين ، فضلا عن استمرار الحكومات المتعاقبة في ضخ أموال لتلبية مطالب اجتماعية وفئوية وتهدئة الأوضاع السياسية بدون توفر غطاء كافي من الاحتياطي النقدي وبدون زيادة ملموسة في الإنتاج .

بعد تولي الرئيس الحالي لمقاليد السلطة في يونيه 2014 تبني اتخاذ إجراءات إصلاحات مالية في سياق اتفاق مع صندوق النقد الدولي بهدف تخفيض عجز الموازنة العامة للدولة والاستثمار في مرافق البنية الأساسية وثيقة الصلة بجذب الاستثمارات خاصة قطاعي الطرق والكهرباء والطاقة ، وهي الإجراءات التي كان لها مردود ايجابي على تقييم المؤسسات المالية لمستقبل مناخ الأعمال في مصر ، ولكن كان لها تأثير سلبي للغاية على الخدمات الاجتماعية والقدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الأسعار وحجم الدعم الذي اعتادت الدولة تقديمه للخدمات العامة وأسعار كثير من السلع الإستراتيجية والطاقة .

إن الوضع الراهن للاقتصاد المصري وتأثيراته الاجتماعية والسياسية يعبر بشكل واضح عن تراكمات عقود سابقة أحجمت فيها الدولة – لاعتبارات سياسية محضة – عن اتخاذ قرارات من شأنها بناء نموذج اقتصادي محدد الملامح يستهدف تحقيق معدلات متناقصة للعجز السنوي للموازنة العامة للدولة ، وتهيئة مناخ ملائم للاستثمار ، وتحويل الطاقة البشرية إلى طاقة منتجة إنتاجا حقيقيا ، ومن ثم فإن الكثيرين ينظرون للقرارات والإجراءات الاقتصادية الأخيرة بوصفها ” الدواء المر ” الذي تأخر إعطائه للمريض لعقود طويلة ، إلا أن الكثيرين أيضا لديهم سخط شديد على هذه القرارات وتشكك في جدواها .

قراءة في بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة

الأسعار

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع معدل التضخم خلال النصف الأول من العام الحالي بنحو 31%، وهو ما تسبب في ارتفاع كبير في الأسعار، وأثر بشكل مباشر علي أسعار السلع الغذائية والدواء وغيرها، مما تسبب في وجود استياء لدى المواطنين من القرارات الاقتصادية التي زادت من أعباءهم، وتأثرت حقوقهم في الحصول على الغذاء الكافي نتيجة انخفاض معدل الدخل مقارنة بارتفاع الأسعار. وجدير بالذكر أن وزارة التموين قد أصدرت قراراً  برفع قيمة الدعم علي البطاقات التموينية ليصبح رصيد الفرد في البطاقة 50 جنيهاً بدلاً من 21، الأمر الذي ساعد علي تقليص حجم الأضرار التي ضربت الأسعار رغم كونها غير كافية.

الصحة والتعليم

يعاني قطاعي الصحة والتعليم من وجود أزمات كثيرة تحول دون الارتقاء بالخدمات التي يقدمها كل قطاع، ويشهد قطاع الصحة تدهور كبير سواء في البنية التحتية أو في القوى البشرية نتيجة لعدة عوامل أبرزها انخفاض مخصصات الدولة لقطاع الصحة والتي أقرها الدستور المصري بنسبة 3% من الناتج المحلي وتزيد تدريجياً لتتفق مع المعدلات العالمية والتي يبلغ متوسطها بين 8%، 10% وهي نسبة تشير إلي ضعف حجم الإنفاق المصري علي هذا القطاع الهام، كما يشهد ذات القطاع ضعف الخدمات المقدمة للمرضى داخل المستشفيات الحكومية سواء نقص الأدوية والمحاليل أو في انتشار ظاهرة الإهمال من قبل الكثير من الأطباء وأطقم التمريض، وتعدد البلاغات المقدمة ضد المستشفيات الحكومية في وقائع طبية تسببت في إحداث وفيات، وكذلك تأثر القطاع الدوائي بصورة بالغة من إجراءات الإصلاح الاقتصادي وخاصة تحرير سعر الصرف، حيث ارتفعت معه أٍسعار آلاف الأصناف من الأدوية بنسب وصلت إلي 50% ، مع وجود نقص حاد  لبعض الأصناف وهي المعروفة إعلامياً بأزمة ” النواقص”، حيث تشهد مصر أزمتين تتعلق فقط بالدواء وهما ارتفاع الأسعار بشكل كبير، وكذلك وجود أصناف هامة من الأدوية غير موجودة، الأمر الذي يزيد من معاناة المرضى وخاصة ذوي الأمراض المزمنة.

أما التعليم والذي يعد مقياساً لنهضة البلاد، فيشهد تأخراً كبيراً في مصر نتيجة لعدة عوامل أبرزها المناهج التعليمية وغياب التطوير بما يتناسب مع الطفرة التكنولوجية الأخيرة، وكذلك ضعف المؤسسات التعليمية من حيث البنية الأساسية وتكدس الفصول في كثير من المدارس الأمر الذي ترتب عليه ضعف جودة التعليم في تلك المدارس، كما أن المنظومة التعليمية تحتاج إعادة هيكلة بالكامل نتيجة فشلها في التعامل مع متطلبات العمل، فخريجي الجامعات المختلفة لا يجدون وظائف تتعلق بالتخصصات التي قاموا بدراستها، وهي تحدي كبير تواجهه مصر الفترة القادمة.

مياه الشرب والصرف الصحي

تواجه مصر أزمة في قطاع المياه والصرف الصحي، فقد أوضح وزير الإسكان في شهر إبريل 2017، بأن نسبة تغطية الصرف الصحي بلغت 56% علي مستوى الجمهورية، غير أن النسبة مقسمة 83% في الحضر، في حين تم تغطية 15% فقط من القرى بالصرف الصحي، وهي نسبة تكشف عن كارثة كبيرة، حيث تعاني غالبية القرى الغير متصلة بالصرف الصحي من سوء البنية التحتية واختلاط مياه الشرب بمياه الصرف، الأمر الذي يفسر انتشار عدة أمراض وبائية علي رأسها الالتهاب الكبدي والفشل الكلوي، فضلاً عن السرطان بين الكثير من فئات الشعب وبشكل خاص داخل القرى، فتوفير مياه شرب آمنة ذو صلة وثيقة بتوفير صرف آمن منعاً للاختلاط، وعلي الرغم من حصول مصر علي العديد من القروض الخاصة بالارتقاء بهذه المنظومة نظراً لكونها السبب الرئيسي وراء الأزمات الصحية والبيئية في مصر، إلا أن إنهاء المشكلة بشكل تام يتطلب الكثير من الوقت والكثير من الأموال.

العمل وأوضاع العمال

تأثر المواطنين بشكل عام بإجراءات الإصلاح الاقتصادي، غير أن فئة العمال وأصحاب المعاشات هم أكثر تأثراً بالأزمة نتيجة لضعف الأجور وعدم مواكبتها موجات الغلاء المتتالية من أسعار سلع غذائية ومواد بترولية التي أثرت بدورها علي المواصلات والنقل والخدمات، فضلاً عن ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه، وكذلك استغلال شركات القطاع الخاص هذه الإجراءات ورفعت أسعار الخدمات وغيرها من المنتجات ليتفادوا الخسائر أو تقليص نسبة أرباحهم، وهو ما أدى في النهاية إلي تحمل المواطن البسيط لهذه الأزمات جميعهاً. وبرزت جهود الحكومة الفترة الماضية من خلال توفير معاش شهري للمواطنين الأكثر فقراً تحت مسمي معاش ” تكافل وكرامة”، حيث يغطي هذا المعاش عدد مليون و700 ألف أٍسرة، بما يساوي أكثر من 8 مليون مواطن وفق تصريحات وزارة التضامن  في مايو 2017، وكذلك زيادة المعاشات التأمينية بنسبة 15% لخدمة 10 مليون مواطن، وإقرار علاوة دورية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية بقيمة 7٪‏ ، وإقرار علاوة غلاء استثنائية قدرها 7٪‏ ، وتأتي هذه القرارات كجزء من التخفيف من حدة إجراءات الإصلاح الاقتصادي.

ومن ناحية أخرى، ازدادت في الفترة الماضية الاحتجاجات العمالية والإضرابات عن العمل بسبب الأجور واختفاء العلاوات في كثير من المصانع وبعض الشركات، وعلي الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها العمال، إلا أن وقفاتهم الاحتجاجية قوبلت بهجوم شديد، وهو ما ترتب عليه تدخل قوات الأمن، بل وصدور أحكام قضائية ضد العمال أشعلت غضب العمال وأثارت مخاوف البعض الآخر، الأمر الذي آل في النهاية إلي وضع مصر علي القائمة السوداء لمنظمة العمل الدولية، بسبب ممارسات الحكومة ضد العمال، فضلا عن مخالفة قانون النقابات العمالية الحالي ومشروع قانون الحكومة الخاص بالنقابات للاتفاقية 87 الخاصة بالحق في التنظيم والتي تنص على حق العمال في تنظيم أنفسهم، وهو ما يشير بأن ملف العمال أمامه العديد من التحديات أبرزها الالتزام بالمعايير الدولية وكذلك تعديل التشريعات المحلية بما يضمن حقوق أفضل للعمال

تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية علي الانتخابات الرئاسية

تعد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أحد الملفات الرئيسية للانتخابات الرئاسية القادمة، نظراً لما لها من تأثير مباشر علي المواطنين وهم الناخبين أي المتحكمين في مسار العملية الانتخابية برمتها، ومن الممكن أن تؤثر تلك الأوضاع علي مجريات الانتخابات نفسها من خلال عدة نقاط وهي:

  1. تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية علي برامج المرشحين

نظراً لما تشغله هذا الأوضاع من أهمية وتأثير مباشر علي المواطنين، فمن المرجح أن يقوم مرشحي الرئاسة أو بعضهم باستغلال هذه الأوضاع في صالحهم، باعتبارها ورقة ناجحة في كسب التأييد، فعلي سبيل المثال يقوم المرشح بتبني قضية العمال والدفاع عن حقوقهم من أجل كسب تأييد فئة العمال، ولن يربح المرشح تأييد الفئة التي طالب بحقوقهم فحسب، بل ستبرز صورته أمام جميع العمال الذين سيرون بأنه مدافعاً عن القضية بأكملها، وبالتالي يُمكن أن يحصل علي تأييد أكبر عدد من العمال، وهكذا بالنسبة لباقي القضايا من صحة وتعليم وارتفاع الأسعار والمعاشات وغيرها من القضايا المؤثرة بشكل مباشر علي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين

  1. هل من الممكن أن تُستغل تلك الأوضاع ضد مرشح بعينه؟

للإجابة علي هذا التساؤل يجب التطرق إلي نقطتين، أولهما أن يكون أحد المرشحين للرئاسة هو الرئيس الحالي للدولة، وبالتالي من الممكن أن يقوم المرشحون المنافسون له بإبراز السلبيات فقط ذات الصلة بهذه الأوضاع من أجل إضعاف صورة المنافس أمام المواطنين، وإظهار مدى فشل هذا المرشح في إدارة تلك الملفات وبالتالي يتبني هو وضع حلول تغطي علي سلبيات منافسه، الذي سيخسر عدد من مؤيديه، ويربح هو الآخر عدد من المؤيدين.

النقطة الثانية تتعلق بموقف ما لأحد المرشحين تجاه إحدى القضايا، أو وجود تصريحات مسجلة تدين المرشح في قضية ما، فمثلاً قضية أهالي الوراق التي شغلت الرأي العام شهر يوليو الماضي، من الممكن استغلالها مرتين الأولى في تشويه صورة الرئيس الحالي باعتبار أن أوامر إخلاء الجزيرة كانت في عهده وعلي علم بوقوعها، الأمر الثاني وهو الإدانة، فيمكن لمرشح ما أن يكون قد أدلي بتصريحات أثناء تلك الأزمة تعبر عن تجاهله مطالب أهالي الجزيرة أو تأييده لقرار الحكومة دون النظر إلي أوضاع الأهالي، وعند ترشحه لن يشير إلي تصريحاته السابقة التي يعلم جيداً بأنها ستكون ضده، فيقوم المرشحين المنافسين له بإعادة نشر تلك التصريحات والآراء كي تضعف من صورته أمام مؤيديه. وبالتالي يُمكن القول بأن ملف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يعج بالكثير من القضايا الهامة التي يمكنُ أن تؤثر كل قضية بها علي كسب أو خسارة التأييد الشعبي تجاه مرشح بعينه.

  1. تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على المشاركة في الانتخابات الرئاسية

تؤثر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل أساسي علي المشاركة في الانتخابات الرئاسية، سواء من خلال الترشح، أو من خلال مشاركة المواطنين في الإدلاء بأصواتهم الانتخابية، فسوء تلك الأوضاع يمثل عائقاً وتحدياً أمام راغبي الترشح للرئاسة، حيث يشعر من ينتوي الترشح بأن ما خلفه الرؤساء السابقون يمثل حملاً ثقيلاً علي عاتقهم وأن هناك صعوبات لن يتحملوها، وبالتالي يشعرون بأنه في حالة الفشل في إدارة تلك الأوضاع، سيلقون اللوم من قبل الشعب الذي لن يقبل أعذار ولن يرى سوى التقصير، وهو ما يعكس عزوف العديد من الشخصيات العامة عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية، علي الرغم من خبراتهم السياسية والاقتصادية، نظراً لأن كافة الأوضاع في مصر تحتاج إلي عمل شاق، وإحداث الإصلاح لن يتم بسهولة ويسر، بل بعد عمل مُجهد وطويل، وربما العزوف عن المشاركة يتخذ بعضاً من الوقت، فكلما ازدادت المشاركة في الانتخابات كلما كان هناك مزيداً من الديمقراطية، وكذلك فإنه كلما استقرت الأوضاع وخاصة الاقتصادية والاجتماعية، كلما ازدادت المشاركة في الترشح.

كما أن مشاركة المواطنين في الانتخابات بصفة عامة تحدده مجموعة من المؤشرات، بدءاً من البيئة الديمقراطية وحرية إبداء الرأي، مروراً بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فكلما تحسنت الأوضاع ازدادت المشاركة، وكلما ساءت الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين، قلت الرغبة في الإدلاء بالأصوات وازدادت المقاطعة، بسبب غياب الأمل في التغيير والإصابة بالإحباط جراء تعدد الأزمات.

فرغم الأهمية الكبيرة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتي تعبر عن حال المواطنين بشكل عام، فإن تناول هذه الأوضاع بقدر من الأهمية يزداد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، نظراً لتأثيرها علي مجريات العملية الانتخابية، فيمكن استخدامها من ناحية كورقة ضغط علي مرشح ما لإضعاف شعبيته، وكذلك يمكن استغلالها كورقة رابحة لتأييد مرشح آخر، فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من أكثر الموضوعات التي تؤثر علي حياة المواطنين، والتي تشغل بالهم أكثر مما تفعل السياسة، فكلما تحسنت الأوضاع المعيشية وازدادت جودة التعليم وتتطور قطاع الصحة وتحسنت الأجور وحصل العمال علي أعلي قدر من الحقوق، يزداد حينها الوعي السياسي ويزداد معها معدلات المشاركة في الانتخابات شكلاً ومضموناً.

إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر حتى الآن تحمل بين طياتها العديد من القضايا التي تمس المواطنين بطريقة مباشرة، كما أن هذه الأوضاع متأججة في ظل تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي وما سببته من آثار سلبية علي الأوضاع المعيشية للمصريين وبشكل خاص الطبقة الكادحة، لذلك فإنه من المرجح انعكاس تلك القضايا علي برامج المرشحين لانتخابات الرئاسة القادمة والمقرر البدء في إجراءاتها مطلع فبراير 2018.

ثانياً، الأوضاع الأمنية الحالية قبيل الانتخابات الرئاسية

علي الرغم من تغير الأوضاع السياسية منذ ثورة يناير 2011 حتى الآن، إلا أن الأوضاع الأمنية في مصر لا تزال تشهد حالة من عدم الاستقرار، وبالرغم من إعلان الدولة حرب ضروس ضد الجماعات الإرهابية، إلا أنه لا يمر أسبوع دون وقوع هجوم إرهابي واحد أو أكثر مستهدفين قوات الجيش والشرطة بشكل رئيسي،  فيما يظهر من وقت لآخر اعتداء ضد الأقباط ومنشآتهم الدينية. ومع وقوع كل حادث إرهابي كبير، تعلن القيادات الأمنية عن حرب جديدة ضد الإرهاب تستهدف اقتلاعه من جذوره، دون وجود خطة زمنية واضحة لذلك، فبالرغم من جهود قوات إنفاذ القانون في تنفيذ عشرات العمليات الاستباقية، والكشف عن مئات الأوكار ومخابئ الإرهابيين، والقضاء علي مئات العناصر التكفيرية من وقت لآخر، إلا أن العمليات الإرهابية لم تتوقف، وإذا توقفت لفترة معينة، فإنها تعود بشكل قوي وتكون ضربتها أكثر إيلاماً.

وبمتابعة الوضع الأمني في الفترة الأخيرة، نجد أن الجماعات الإرهابية تستهدف قوات الجيش والشرطة في المقام الأول، وخاصة في شمال سيناء، باعتبار شبه الجزيرة المنبع الرئيسي للعناصر التكفيرية، كما ارتفعت وتيرة الهجمات الدامية ضد المواطنين المسيحيين منذ ثورة 30 يونيو. اتخذت العمليات الإرهابية منحنى جغرافي جديد، مع نهاية عام 2014، حيث بايع تنظيم أنصار بيت المقدس الإرهابي ما يسمي بولاية سيناء، وهو فرع من تنظيم داعش الإرهابي، ومنذ ذلك الوقت، وقد ارتفعت وتيرة الهجمات الإرهابية التي تستهدف قوات إنفاذ القانون وخاصة في شمال سيناء، فيما ركز فرع التنظيم في هجماته خارج سيناء باستهداف الأقباط داخل الكنائس،  وكذلك استهداف مديريات الأمن ومراكز وأقسام الشرطة.

ويبدو أن تنظيم داعش رغم تركيزه علي استهداف قوات الجيش والشرطة، إلا أن أسمى أهدافه هي زعزعة الاستقرار السياسي للدولة، ولذلك اتجه التنظيم إلي استخدام إستراتيجية موازية وهي استهداف الأقباط لإحداث فتنة طائفية من أجل تعميق الصراع الطائفي بين جموع المصريين، ومن ناحية أخرى فإن التفجيرات الدموية التي يقوم بها التنظيم تستهدف إشعال غضب الأقباط ضد النظام وتغيير دعمهم للنظام الحاكم، الأمر الذي يشير إلي وجود بُعد استراتيجي لتلك الجماعات الإرهابية.

وبدأ داعش حملته  ضد الأقباط باستهداف الكنيسة المرقسية في العباسية في القاهرة في ديسمبر الماضي، ثم بقتل عدد من المسيحيين المصريين المقيمين في سيناء خلال شهري يناير وفبراير، ما نتج عنه من تهجير عشرات الأسر المسيحية من شمال سيناء، وكذلك الهجوم الغاشم على كنيستي طنطا والإسكندرية في أبريل هذا العام، مخلفين جراء أعمالهم الإجرامية عشرات الشهداء والمصابين.

ونتج عن هزيمة داعش في سوريا والعراق، ازدياد الهجمات الإرهابية المنظمة في مصر، فيبدو أن أعضاء التنظيم قد هربوا إلي مصر بخبراتهم الميدانية التي اكتسبوها هناك، ليستقروا في صحراء مصر، وقد ساعد التنظيم في الانتشار حالة الانقسام السياسي بين النظام الحاكم وقوى المعارضة، وخاصة فصيل جماعة الإخوان التي تم تصنيفها مؤخراً كجماعة إرهابية، حيث استطاع التنظيم تجنيد الكثير من الشباب المصريين بين صفوفه، نتيجة لتوليد رغبة الانتقام لديهم بسبب القمع الأمني للمعارضة السياسية، فضلاً عن أعضاء ومؤيدي جماعة الإخوان، الذين انضموا للتنظيم من أجل الانتقام لقياداتهم خلف القضبان.

وفي ذات السياق، فشلت جماعة الإخوان عبر أذرعها المسلحة في تنظيم صفوفها في ظل الملاحقات الأمنية المتواصلة لأعضائها، والقبض علي عدد كبير من القيادات، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في السيطرة علي عنفهم، غير أنه استمرت بعض الحركات الضعيفة نسبياً في شن الهجمات من وقت لآخر، ومن بين هذه الحركات” حركة حسم، حركة العقاب الثوري”، وتركزت أعمالهم الإرهابية في استخدام عبوات ناسفة لتفجير مولدات الكهرباء والمنشآت العامة، فيما تمكنت من وقت لآخر في استهداف رجال الشرطة بعد تتبع تحركاتهم.

ويمكن القول بأن الحكومة وبالرغم من  نجاحها نسبياً في فرض سيطرتها الأمنية داخلياً، إلا أن المحافظات الحدودية وبشكل خاص شمال سيناء، قد فشلت معها جميع العمليات الأمنية، وأصبح القضاء علي الإرهاب أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الحالية، وسيكون لها تأثير مباشر علي أجواء الانتخابات الرئاسية القادمة، كما ستمثل تحدياً كبيرا للرئيس القادم، خاصة في ظل ما تقوم به الدبلوماسية الخارجية من جهود لوقف الدول الراعية للإرهاب وتمويل الجماعات الإرهابية في مصر. وإن استمرت الجماعات الإرهابية في جرائمها أثناء مراحل الانتخابات، ربما تؤثر علي مجريات ونتائج العملية الانتخابية برمتها، فربما يتم استهداف اللجان الانتخابية مما يؤدي إلي عزوف الناخبين خوفاً علي حياتهم، أو تهديد المرشحين بالاغتيال، الأمر الذي يستلزم ضرورة وضوح أجهزة الدولة في الإعلان عن إستراتيجية فاعلة في مكافحة الإرهاب، ووضع خطة زمنية تحمل من الدقة قدراً يريح النفس والطمأنينة لدى المواطنين.

Comments

comments

‎قد يُعجبك أيضاً

بعد 17 عاما على أحداث سبتمبر العالم لا يزال يعيش نفس الأوضاع ..والإرهاب يجد من يدعمه

بعد 17 عاما على أحداث سبتمبر العالم لا يزال يعيش نفس الأوضاع ..والإرهاب يجد من …

leave comment

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: