fbpx

عسكرة المياه: تداعيات استخدام تركيا المياه كأداة لتحقيق أهدافها على حساب حقوق الإنسان

مقدمة

تلعب المياه دورًا هامًا في تصاعد النزاعات في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما تلك المتعلقة بممارسات الحكومة التركية على نهرين دجلة والفرات، إذ رصدت التقديرات الحقوقية في مايو 2021 صوراً مأساوية وحزينة لتراجع وانخفاض منسوب مياه نهر الفرات لمستويات خطيرة حيث انخفض المنسوب الأعظم للنهر إلى 320.70 متر بعدما كان 325.20 بنسبة نقص تجاوزت أكثر من 4 م3، وذلك بسبب تقليل الحكومة التركية لكميات المياه الواردة إلي النهرين عبر التحكم في ضخ كميات المياه التي تنبع من أراضيها إلي النهرين بحجز المياه المتدفقة لصالح مشروعات السدود التي إقامتها على نهرين دجلة والفرات مثل سد أتاتورك بما يعزز من تراجع حصة السوريين والعراقيين من مياه الفرات، وهو ما يشكل ضربًا بعرض الحائط لكافة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بتنظيم استغلال المياه بين الدول هذا إضافة إلي مخالفة الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى على وجه الخصوص تلك الموقعة بين الحكومتين السورية والتركية عام 1987.

وعلى هذا النحو يساهم انخفاض منسوب نهر الفرات في مايو 2021 بمعدل خمسة أمتار لأول مرة في التاريخ بعد حجب الجانب التركي لمياه النهر بحيث بات لا يتجاوز 200 متر مكعب في الثانية إلى كارثة بيئة واقتصادية وحقوقية وشيكة تهدد حياة وسبل معيشة أكثر من ثلاثة ملايين سوري يعتمدون على النهر في تأمين مياه الشرب والكهرباء والري والصيد، ليس هذا فحسب بل تؤثر المشروعات المائية التي تقوم بها الحكومة التركية على نهرين دجلة والفرات بالأخص تشيد سد “إليسو” المؤثر بالسلب على التراث الثقافي والأثري في منطقة حصن كيفا التاريخية التركية والتي يعود تاريخها إلى 12 ألف عام وتضم العديد من الآثار الأشورية والمسيحية والإسلامية التي تجعل من المنطقة ملتقى للعديد من الثقافات، وفى السياق سوف تتعرض منطقة الأهوار في العراق إلى الجفاف لتصبح صحراء بفعل مشروعات السدود لأنها سيمنع تدفق المياه إليها، وهي المنطقة المدرجة في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو كونها تتمتع بتنوع بيولوجي وتاريخي متعدد للثقافات، هذا بالإضافة إلى الأضرار الجسيمة على الحياة البيئية في العراق المتمثلة في انخفاض منسوب المياه المتدفق إلى نهر دجلة وهو ما يترتب عليه أزمة في مياه الشرب والزراعة داخل العراق هذا إلى جانب زيادة ظاهرة التصحر والتلوث النوعي للمياه والتأثير على الصناعات العراقية بسبب انخفاض الطاقة المتولدة عن محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تعتمد على المياه مع عدم توافر الظروف البيئة الملائمة لنمو الثروة السمكية مما سيؤدي إلي انخفاضها.

على صعيد أخر تقوم الفصائل المسلحة التابعة للحكومة التركية بقطع إمدادات المياه عن المناطق الأكثر ضعفًا في سوريا والتي تقع تحت سيطرتها، على وجه الخصوص قطع المياه باستمرار عن محطة مياه علوك بريف مدينة رأس العين، ففي الآونة الأخيرة قطعت الفصائل المسلحة التابعة لتركيا المياه عن محطة علوك بمحافظة الحسكة شمال سوريا لمدة 16 يوميًا في الفترة من 10 إلي 26 أبريل 2021  بشكل متواصل بما يهدد الحقوق المائية لأكثر من 460 ألف شخص سوري يعتمدوا على المحطة للحصول على مياه الشرب والمحافظة على النظافة العامة والشخصية في ظل انتشار  جانحة كوفيد 19، الجدير بالملاحظة أن الحكومة التركية تستخدم قطع المياه عن المحطة كورقة ضغط سياسية ضد قوات سوريا الديمقراطية بما يخالف كافة الاتفاقيات والأعراف الدولية التي تنص على ضرورة عدم استخدام المياه في الخصومات السياسية، هذا إلي جانب استهداف البنية التحتية المائية مثل محطات المياه باستمرار بالقذائف العسكرية بما يتسبب في خروجها عن الخدمة ويؤثر على الحقوق المائية للمواطنين الذين يعتمدوا على خدماتها.

وفي هذا الإطار،  تسلط مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان في هذا التقرير الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالسياسات المائية للحكومة التركية التي تحصل من خلالها على مكاسب اقتصادية وسياسية بصرف النظر عن الاعتبارات الحقوقية، إذ يساهم تقليل كمية المياه الواردة إلي نهرين دجلة والفرات في معاناة المدنيين على كافة المستويات البيئة والغذائية بما يهدد حقهم في الحياه بشكل مباشر في بعض الأحيان، في المقابل تستهدف الفصائل المسلحة التابعة لتركيا محطات المياه والموارد المائية في شمال شرق سوريا ويعرف هذا النمط بعملية تسليح المياه واستخدمها في السياق العسكري للصراعات وهو ما قد ينتج عنه زيادة في الأمراض الناتج عن نقص المياه، إذ تتطلب بعض الأمراض مستوى عالي من التنظيف الشخصي المعتمد على المياه ومن بين أشهر هذه الأمراض فيروس كورونا المستجد، إضافة إلي هذا الأمر قصفت القوات التركية البنية التحتية المائية مثل محطات المياه في العديد من المرات مما تسبب في خروجها عن العمل وهذا بدوره أثر على المدنيين السوريين.

نسخ رابط مختصر

مواضيع

شارك !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

املأ هذا الحقل
املأ هذا الحقل
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.

أضيف مؤخراً

شارك برأيك

كيف ترى التصميم الجديد لموقع ماعت؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

محتوى ذو صلة

القائمة